المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حكم البابا  Headshot

في سورية ثورتان

تم النشر: تم التحديث:

في سورية ثورتان مختلفتان متناقضتان، ستصل بذور الخلاف والاختلاف بينهما ذات يوم إلى نفس الحدود التي وصلت إليها نقاط التضاد بين الثورة والنظام، إن لم تكن قد وصلت فعلاً، بدأتا ثورة واحدة ضد عدو واحد هو نظام استبدادي، وانتهتا اليوم إلى ثورتين كل منهما تحارب على جبهتين، جبهة النظام وجبهة الثورة الأخرى، الثورة الأولى تتكون ممن انحاز إلى الاحتجاجات الشعبية التي بدأت في درعا في 18 مارس 2011 من بقايا الأحزاب اليسارية ،شيوعية وقومية، وناشطي الأقليات، والمثقفين، وبعض هؤلاء من أحزاب اليسار سجنوا على يد حافظ الأسد مؤسس هذا النظام ورمزه ووالده لسنوات طويلة، بسبب بيان أصدروه، أو اجتماع سري عقدوه، أو منشور سري طبعوه، وبما لا يتجاوز ذلك في أحسن الأحوال، وخلافهم مع النظام كان صراعاً على السلطة، ولم تكن بين بنوده في يوم من الأيام شروط بخصوص تحسين مستوى عيش المواطن السوي مادياً ومعنوياً إلاّ في الشعارات، وخرجوا من السجن بمظلومية أنهم ضحوا واعتقلوا فيما باقي السوريين كانوا يتعاملون مع النظام ولذلك فهم أحق بالسلطة، وشاركوا في الثورة باعتبار أنها الطريق التي ستوصلهم إليها، وأن الفرصة قد جاءت الآن وعليهم اغتنامها.

إلى جانب هؤلاء شارك بعض ناشطي الأقليات والقليل من المثقفين، لشعور بالظلم ظهر فجأة، فقبله لم يُعرف عنهم أي نشاط معارض يتجاوز نكتة تُلقى على طاولة مقهى، مترافق مع رغبة استعراضية بدخول عالم الثورات الذي بدا موضة براقة وجذابة في عام 2011، وزادت جاذبيته بعد أن انتصرت ثورات تونس ومصر خلال أيام قليلة، وبعدد محدود جداً من الضحايا.

وهؤلاء وأولئك الذي شكلوا جزءاً من الثورة السورية في بداياتها، جذبوا عدسات الإعلام، وسُمعت أصواتهم في الفضائيات، وأخذوا الصور التذكارية في المظاهرات، وكتبوا مطولات استعراضية عن مشاركة في مظاهرة واحتجاز بعدها ليوم أو يومين في مخفر شرطة، اعتقدوا ومازالوا حتى اليوم يظنون أن إسقاط النظام يمكن أن يتم بأداء رقصة ستي، وصبغ ماء البحيرات باللون الأحمر، وبخ غرافيتي على الجدران، وتصورهم لشعار إسقاط النظام الذي رفعوه، لا يتجاوز تبديل رئيسه والطاقم المحيط به، والبديل جاهز، فقد كانوا يقفون لساعات أمام المرايا كل يوم ويشيرون إلى الأشخاص الذين يرونهم فيها ويقولون: هذا هو!

في الثورة الثانية التي كانت تشترك مع الأولى في مظاهرات مارس 2011، كان الجمهور (وليس النشطاء) هم المواطن السوري العادي، الميكانيكي والدهان والطبيب والمهندس من غير المُسيسين، والذي لم يقرؤوا كتب مارس ولينين وياسين الحافظ والياس مرقص وأنطون سعادة، وبعض هؤلاء -وقد يكونوا أغلبية بينهم- من أعضاء حزب البعث الذي يحكم سورية نظرياً، إماً خوفاً من أن يُتهموا بأنهم من معارضيه، أو طمعاً في مصلحة لا تتجاوز فرصة عمل في وظيفة صغيرة في الدولة عادةً، لكن هؤلاء كانوا أصحاب مظلومية صامتة لم تستطع أن تعبّر عن نفسها خلال الخمسين عاماً من الحكم الطائفي الأقلوي الذي ركب قطار حزب البعث إلى السلطة، بعضهم كان له أب أو أخ أو جار أو صديق اعتقل في ثمانينيات الماضي إبان الانتفاضة المسلحة التي قامت بها الطليعة المقاتلة لجماعة الإخوان المسلمين، ثم ما تلاها من اعتقالات وسجون فُتحت، أو بعضهم أُهين في شارع أو تلقى صفعة على خده لسبب تافه أو بدون سبب غالباً إلاّ استعراض القوة من عنصر مخابرات تعمّد التحدث بلهجته العلوية التي كانت رمزاً للسلطة، وبعضهم الثالث لم يستطع أن يجد عملاً أو سرقت منه فرصة عمل أو دراسة من شخص أو أشخاص كانوا يتحدثون بنفس لهجة عنصر المخابرات الذي صفعهم قبل سطرين من هذا المكان.

أصحاب الثورة الثانية هؤلاء وقبل أن يختلفوا مع أصحاب الثورة الأولى حتى، لم يكن لديهم أوهام حول ردة فعل النظام الذي يعرفونه جيداً من أيام الثمانينيات في القرن الماضي، ويعرفون عنفه ودمويته، ويحفظون طعم الصفعة التي تلقوها على وجوههم، عمدوا إلى التظاهر فقط، بدون التلويح بأقمشة ملونة، واطلاق حمام أبيض في الهواء، والتجول ببدلات زفاف في أسواق دمشق، تظاهروا بشعارات تتداخل فيها الحرية مع كلمات الله أكبر، فقد كانت ثقافتهم أقل من أن يهتفوا باسم تشي غيفارا أو لينين.

بدأت الثورتان ثورة واحدة ثم اختلفتا، أصحاب الثورة الأولى لم يستطيعوا احتمال وتحمّل عنف النظام، والذي كان عنفه حينها لا يتجاوز خرمشة قطة بالمقارنة مع عنفه اليوم، فتركوا البلد وسافروا وتلقوا مبالغ مالية كبيرة من السفارات والمنظمات الأوربية والأمريكية ففتحوا الدكاكين الحقوقية والإعلامية والثقافية في بيروت واسطنبول وباريس، ليواجهوا على فيسبوك وتويتر الثورة الثانية، مع بعض الإدانات الخجولة بين فترة وأخرى للنظام من قبيل رفع العتب، ولكن هذه المرة باعتباره أنه السبب الرئيسي بتعنته لظهور أصحاب الثورة الثانية، وهؤلاء الذين لا يتجاوز تعدادهم الألف نسمة في أحسن الأحوال، وتقلبوا في أسرة كل الأحزاب التي أُنشأت ليس لديهم وجود حقيقي إلاّ في العالم الافتراضي، بحضورٍ أقرب إلى نقيق الضفادع، يكفي قطع الكهرباء عنهم ليتلاشوا تدريجياً، وينتهي تأثيرهم نهائياً.

في الثورة الثانية التي لم يغادر أصحابها أرض بلدهم إلاّ اضطرارياً وإلى المقابر غالباً، أشخاص عاديون يعيشون تحت القصف اليومي، تحولوا إلى متطرفين أو بقوا معتدلين، إذا كان لهذا المقياس من معنى والصاروخ يلاحقك والبرميل يسقط فوقك، ولازال وهج الصفعة التي تلقوها على خدهم لإذلالهم حارّاً، وبعد المجازر اليومية المستمرة منذ أربعة سنوات ونصف تأكدوا من هوية عدوهم، وعرفوا أن صاحب الاهانة التي وجهت إليهم، واليد التي هوت على وجههم لنصف قرن مضى، هو نفسه صاحب السكين ومالك المسدس وقاذف الصواريخ ورامي البراميل، وعرفوا هويته ووجهه ولكنته وأذاه، ولم يغيّروا عدوهم، إلاّ إذا كان يعني إضافة حلفاء النظام بحسن أو سوء نية إلى قائمة أعدائهم تغييراً في العدو.

ليس الموجودين داخل هذين التصنيفين على قلب رجل واحد في كلٍ من الثورتين، فكل ثورة منهما يمكن أن تنقسم إلى عشرات الثورات وتفتح على بعضها البعض جبهات لا تحصى عند سقوط النظام، ولكن حتى الآن في سوريا ثورتان، كذبتا على بعضهما البعض حين انطلقتا من نقطة واحدة في البداية، لكنهما تحولتا إلى خطين متوازيين لا يلتقيان، وستستمران كذلك!