المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حكم البابا  Headshot

ثورة بسبع أرواح

تم النشر: تم التحديث:


لم أصدق عيني وأنا أقرأ بيان رئاسة الجمهورية في سورية الذي ينعي وفاة أنيسة مخلوف والدة بشار الأسد، وخاصة فيما يتعلق بطلبه من السوريين والمحبين عدم تجشم عناء التعزية الشخصية، في إشارة واضحة بأنه لن تكون هناك مظاهر عزاء في الأم الوالدة، التي بقيت سيدة سورية الأولى لثلاثين عاماً خلال حكم زوجها حافظ الأسد، وترك لها ابنها بشار اللقب خمسة عشر عاماً إضافية في عهده، وحرمه زوجته التي أطلق عليها لقب زوجة السيد الرئيس بدلاً منه حفاظاً على مشاعر والدته، ثم بعد ذلك تموت على الساكت وبدون مظاهر حزن ولا معزين ولا إعلان حداد كما تعوّد السوريين في حوادث الموت لواحد من عائلة الرئيس.

ولو تجاوزنا التهذيب المضحك في المبرر الساذج الذي ساقه بيان رئاسة الجمهورية لدفن أنيسة مخلوف بدون معزين ولا مظاهر حزن، وهو عدم تكلفة السوريين تجشم عناء التعزية الشخصية، من رئيس يجشّم شعبه عناء القصف والقتل والاعتقال والتهجير والتشريد والتدمير منذ خمسة سنوات حتى اليوم، ثم يقرر فجأةً عدم تكليفهم عناء الذهاب إليه ومصافحته والقول له: البقية في حياتك..

لو تجاوزنا هذا المبرر السخيف فنحن أمام انقلاب حقيقي في عقلية النظام الذي طالما اعتبر وتعامل مع حوادث موت واحد من أسرة الأسد باعتبارها مناسبة لفحص نسبة حب السوريين لقائدهم، وفرصة لتأكيد التفافهم حوله.

وبقدر ما كان وقع موت باسل الأسد عام 1994 فاجعاً على والده الذي كان يسابق الزمن لتوريثه، إلاّ أن حافظ الأسد لم يترك حادثة موته تمر من دون استغلال في ثلاثة اتجاهات، الأول هو حالة الحزن التي فرضها على السوريين، باعتباره وعائلته أصحاب قرار الحزن والفرح الوحيدين في سورية، فإن فرحوا فعلى السوريين أن يفرحوا، وإن حزنوا فعلى سورية أن تموت كمداً وغماً.

وحتى لو كان الأمر ظاهرياً لا يتجاوز الشكل، ومن دون أن يعنيه أن المبالغة في الحزن قد تتحول إلى شكل من أشكال الكوميديا كما حدث حينها، والثاني لجهة مطالبة السوريين بالالتفاف حوله والهتاف باسمه وإرضاء غروره حتى وهو في حالة حداد ومناسبة موت، والثالث لاستبدال اسم الوريث السابق الميت باسم الوريث الثاني، فظهر حينها وعلى الفور وعند نزول حافظ الأسد مع وريثه الجديد وجثمان وريثه القديم شعار "باسل المثل وبشار الأمل" من على سلّم الطائرة في مطار اللاذقية.

تكرر الأمر بنفس الخطوات تقريباً التي جرت أيام موت باسل عند موت حافظ الأسد، مع فارق بسيط أن مظاهر الحداد اختصرت عند وفاة الأب عما كانت عليه عند وفاة الابن، أولاً لأن حافظ الأسد المرعب والمخيف لم يكن موجوداً ليراقب ويعاقب من لا يظهر الولاء والتأييد بالشكل الذي يُدخل السرور إلى قلبه، وثانياً حتى تُترك فرصة للرئيس الجديد أن يفرح بمنصبه الجديد، خاصة وأنه تسلمه فوق جثمان أبيه.

إذاً ما الذي حدث اليوم حتى يقرر بشار الأسد وعائلته التنازل عن صيوان التعزية ووفود المعزين وبرقيات التعاطف مع كل ما تحمله من مظاهر ولاء والتفاف ومحبة له وهو بأمس الحاجة إليها اليوم؟ هل السبب مثلاً مشاعر باردة تربطه بها وهو الذي ترك لها لقب السيدة الأولى وحرمه لزوجته طيلة خمسة عشر عاماً حفاظاً على مشاعرها؟

أم هو مثلاً رغبته في المشاركة والتعاطف مع مئات السوريين الذين يقتلون كل يوم فأحب ألاّ يميّز أمه عن سواها، وهي ذريعة أخلاقية كان من الممكن تصديقها لو لم يكن هو بالذات صاحب قرار القتل والتدمير والتهجير الأول؟ أم أراد أن يخالف أسلوب أبيه الذي تقبّل العزاء وفرض مظاهر الحزن عند وفاة والدته ناعسة، التي كانت صورتها (وحول رأسها الهالة النورانية التي تشبه تلك التي تظهر في الأيقونات محيطة برأس السيدة مريم العذراء) وحافظ الأسد منحنٍ يقبّل يدها، تباع في الشوارع؟

لا يمكن توضيح إلغاء بشار الأسد مظاهر العزاء بوفاة والدته بشكل دقيق، بدون النظر إلى كل حركة بشار الأسد خلال السنوات الخمس الماضية من عمر الثورة السورية، فالرئيس الخائف الذي ألغى تقليداً رئاسياً تاريخياً بأداء صلاتي العيد في الجامع الأموي، وتقبل التهاني بعد كل صلاة، واستبدله بجامع مجهول في الجوار مسيطر عليه أمنياً، وسط عدد قليل من الوزراء وعناصر الأمن الذين يمثلون دور المصلين معه، ليغادر بعدها على عجل.

والرئيس الخائف الذي لم يستطع بعد فوزه في انتخاباته عام 2014 أن يخطف رجله ثلاثة كيلومترات بعيداً عن مخبئه ليقوم بأداء القسم في مجلس الشعب، فأتى بأعضاء المجلس إلى قصره ليقسم أمامهم، متجاوزاً التقليد الرئاسي وفكرة القسم تحت قبة مجلس الشعب وأمام أعضائه بكل ما فيها من رمزية وهيبة، والرئيس الخائف الذي استبدل استقبالاته للشخصيات القليلة التي تزوره في صالونات قصر الشعب الفارهة بغرف ضيقة مسدلة الستائر.

والرئيس الخائف الذي يظهر مرة أو مرتين في السنة في حي فارغ مدمّر، أو في مكان ليلي وسط جنود محاطين بأكياس رمل بإيحاء أقرب إلى المشهد المسرحي، والرئيس الخائف الذي يسافر مرة واحدة خلال خمس سنوات قضاها مختبئاً إلى روسيا بدون مودعين ولا مستقبلين ولا سجاد أحمر ولا نشيد وطني وبطائرة مجهولة..

هذا الرئيس الخائف المرعوب المختفي الذي يضج إعلامه بأخبار انتصاراته، ومارشاته العسكرية، وصور أقدام عسكره وهي تخبط الأرض، وكلمة "خلصت" لا تنزل من أفواه محلليه السياسيين والإستراتيجيين والعسكريين على كل الشاشات لا يستطيع أن يقيم بالطبع مجلس عزاء لأمه!
وبعد ذلك يأتي من يقول الثورة انتهت والحل سياسي والمفاوضات هي الطريق واستسلموا وخيرها بغيرها!
الثورة فكرة وإيمان وهؤلاء لا تهزمهم لا الجيوش ولا الأسلحة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.