المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هاجر حسونة Headshot

ابنة مارك ستتركُ كتاب فيزياء الكم وتلعب بأواني المطبخ مثل أطفالنا

تم النشر: تم التحديث:

ببداية حملي بطفلتي الأولى بدأت في الاطلاع على ما يتعلق بالتعامل مع الأطفال وقراءة كتب التربية الإيجابية والتعليم السوي البعيد عن التلقين وحشو الأدمغة، وبعد ولادتها كنت أقرأ عن كل مرحلة عمرية ستبدأها وتطورها الحركي والانفعالي وإدراكها لعالمها المحيط.

في وسط ذلك رأيت لدى الكثيرات ممن أصبحن أمهات شابات شغفاً كبيراً وإعجاباً رهيباً بتعليم أطفالهن بما أعتقد أنا أنه أكبر من سنهم ولا يستطيعون استيعابه، وتكون كلها في مخزون الطفل أموراً نظرية بحتة حتى خياله الصغير لا يستطيع إدراكها، بدعوى أنه لا يمكن الحكم على قدرة الطفل الاستيعابية وأن بإمكان الأطفال استيعاب ما لا نتخيله نحن!

منطقياً وعقلياً لا يمكن لطفل في شهور عمره الأولى استيعاب أشكال هندسية وأحجام وأوزان؛ هناك أمور أرى أنها الأولى في التنمية عند الأطفال بتلك المرحلة.

في بداية تجربتي كأم اشتريت كميات كبيرة من لعب المنتسوري التي أصابني الهوس بها عندما رأيت إعلاناتها، كما اشتريت كتباً تعليمية للأطفال لا يقل سعرها الغالي عن فخامة خامتها وجودتها!

وكان للمجموعات (الجروبات) التعليمية على فيسبوك أو تلك التي تضم أمهات كثيرات يحكين عن تجاربهن في تعليم أطفالهن تأثير قوي على نفسي، وذلك قبل أن أدرك أن مساوئ تلك المجموعات والخبرات المتداولة عليها أكثر من إيجابياتها؛ فيكفيني الإحباط والإحساس بالتقصير والعجز الشديد الذي يصيبني عندما أشعر أني مقصرة مع بناتي، وينتابني التساؤل لماذا لا أفعل مثل تلك الأمهات وأشرح لبنتي التي أكملت عامها الثالث منذ فترة وجيزة المجموعة الشمسية والكواكب وحركة الشمس والقمر والجاذبية!

لا أبالغ عندما أقول أن اللعب القيمة والكتب الباهظة الثمن التي اشتريتها لبناتي لم تؤت ثمارها كما توقعت؛ فهن انجذبن أكثر إلى أدوات المطبخ والأواني البلاستيكية والمعالق الخشبية، كنّ أكثر فرحاً وهن يُفرغن الأدراج ودولاب الملابس ويكتشفن محتوياتها، وكانت الدهشة تنتابهن وهن يضعن المكياج لأنفسهن، وهن يلعبن بالعجين، نعم عجين دقيق وماء، بعيداً عن التكلف!

لا أُخفيكم سراً أيضاً أن صورة "مارك زوكربيرغ" التي انتشرت وهو يقرأ لطفلتة ذات البضعة أسابيع كتاب "فيزياء الكم للأطفال" أصابتني بالذهول، كان عقلي لا يستوعب كم نحن مقصرون بحق أطفالنا، وتساءلت لماذا لا نفعل مثل ما يفعل هو وزوجته؟.. وذلك قبل أن أفكر ملياً.. هل طفلة بعمرها أو تكبرها بعام أو عامين تفهم وتدرك الفيزياء وحركة الأجسام والسكون والحركة والسرعة وما إلى ذلك من مفاهيم مبسطة للفيزياء! أم أن هوسي الذي انتابني فور أن وقعت عيناي على الصورة طبيعي في ظل زخم الميديا من حولنا بغض النظر عن قابلية ذلك للتطبيق؟

أوقفت نفسي، واكتشفت أن سلوكي وإحساسي الدائم بالتقصير ليس صائباً أنا مهووسة بشكل كبير بما يُنشر على السوشيال ميديا وما يُطلقون عليه "تعليم مبكر" دون أن أفكر ملياً هل هذا يناسب طفلتي فعلاً! هل هو مفيد لهن؟، أم هن بحاجة إلى تنمية حواسهن والتعامل مع الطبيعة كما هي، دون استباق للأحداث ودون حشو أدمغتهن بما يستعصى عليهن فهمه ولا يستطيع خيالهن الذي بدأ في التكون أن يستوعبه ويفهمه.

اتخذت قراري أن أترك لطفلتي العنان في فهم الحياة بما يتناسب مع سنهن، بما يستطيع عقلهن أن يستوعبه، أقدم لهن معلومة عن ما يمر على حياتنا، نتحدث عن الطبيعية التي نراها عن الحيوانات عن الطائرة والقطار، عن الشمس في الصباح والقمر في الليل، أتركهن يلعبن في التراب عندما نذهب إلى قريتنا الريفية، ويشاهدن الحيوانات والطيور عن قرب فيتولد لديهن شغف المعرفة وحب الاستطلاع.

أدركت أن المعلومات النظرية وحشو الأدمغة بكمية هائلة من المعلومات لا تبني طفلا مثقفاً، بل تصنع منه "فلاشة" حاملة للمعلومات لكن لا يدركها بالأساس، الأهم من الكم هو كيف يدرك الطفل المعلومة كيف يحس بالأشياء من حوله وكيف يتعامل مع الطبيعة.
انفضوا أيديكم من هوس الميديا والتابات والتكنولوجيا الحديثة في تعاملكم مع أطفالكم الصغار لا تسرقوا منهم إحساسهم بالفطرة والطبيعة ومكنونات ما يدور حولهم، لا تحشوا رؤوسهم بما لا ينفعهم ولا يُسمن من جوع.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.