المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هاجر الغريب Headshot

فتاة المعطف

تم النشر: تم التحديث:

ترتدي اليوم ثوباً وردياً ومعطفاً أرجوانياً، يبدو الأمر غير مستساغ ربما، ولكنها تبدو رائعة.. كعادتها.

جلست منتظراً الحافلة، تأخرت اليوم قليلاً لا يزعجني ذلك على الإطلاق، سيعطيني ذلك بضع دقائق أخرى للبقاء في صحبتها، تبدو غامضة إلى حد بعيد، تمسك بيدها اليسرى مظلة تحسباً للمطر، رُسم عليها ورود كثيرة تحمل ألوان ثوبها ومعطفها معاً وألواناً أخرى، لا بد أنها تختار أشياءها بعناية فائقة.

بدأ المطر بالفعل في الهطول، كأن المطر يزيدها أناقة وبهاء، فَتحتْ بسرعه مظلتها لتتفادى ذرات المطر المتساقطة سريعاً، تبدو واثقة غير عابئة، لم تتأفف من هطول المطر ولا من تأخر الحافلة، لا يبدو عليها الانتظار أو القلق.

ليس هذه المرة فقط، لطالما كانت كذلك، يومياً في ذلك الموعد عند دق الساعة العاشرة تأتي لتنتظر شيئاً يبدو أنها لم تجده بعد، شيئاً أكبر من الحافلة التي لم تستقلها يوماً!

ترتدي يومياً معطفاً مُختلفاً، أزرق، بُنياً، أبيض، أحمر، معطفاً ذا ورود، زادها هذا جمالاً فوق جمالها، معطفاً أسود، أما هذا فزادها غموضاً وروعة، ولكنها دائماً ما كانت تضع أحمر شفاه لونه يبدو أحمر، لا أفهم كثيراً في الألوان، لكنه يبدو صارخاً، يقولون: إن المرأة التي تضع أحمر شفاه صارخاً لا تعبأ بشيء، أدركت ذلك مؤخراً.

لم أشعر يوماً بنقص في روعتها، رائعة دائماً، في كل الألوان، في كل الأحوال. دققت بها ذات مرة، ملامحها حادة، لها وجه طويل ونحيف، وأنف حادة، وشفاه ممتلئة بعض الشيء وجسم نحيف، تذكرني بعارضات الأزياء أو ربما كانت كذلك حقاً، لها شعر أسود داكن تحب أن تضعه دائماً على أحد الجانبين.

رأيتها ذات مرة تنظر خلفها كثيراً، يبدو عليها بعض من التوتر الذي تحاول إخفاءه بكبريائها العجيب، وهدوئها المبالغ أحياناً، بدت وكأنها تتهرب من شيء ما.

أراها كل ليلة، وفي كل ليلة أتساءل: هل إن كنت سأراها في الليلة المقبلة، وأتمنى ذلك من قلبي، من كل قلبي.

أما تلك الليلة، ليلة المعطف الأرجواني، أشعر بشيء مختلف، ربما ستكون تلك آخر ليلة سأراها، أو ربما ستستقل الحافلة معي، لا أعلم، أشعر فقط أن شيئاً ما على وشك الحدوث.

سمعتها تقول لشخص ما: "لم يعد ذلك يصلح، انتهى كل شيء" أو شيئاً من هذا القبيل، كان النقاش بينهما متوتراً بعض الشيء، ولكنها بدت هادئة، واثقة كما كانت دائماً، قالت ذلك ثم رحلت.

وبدت تلك المرة أن الرحيل دون عودة، وصلت حافلتي واستقّلتها ثم رحلت بعيداً في اتجاه غير الذي مشت فيه فتاة المعطف، نظرت إلى الخلف لأرى ظلاً بعيداً يمشي في غرور وكبرياء غير عابئ، نظرت إلى ظلها لآخر مرة وأنا أفكر أن ربما لو عرفتْ يوماً كيف أراها، كيف آبه لتفاصيلها وإلى أي حد سأتفهمها سأتقبلها، لما كانت أنهت كل شيء، لكانت بقيت لليلة أخرى، أو لعمر آخر، لكانت استقلت معي الحافلة وسرنا معاً.

اختفى ظلها، وأدرت رأسي ونظرت أمامي، وانتهى كل شيء كما قالت لي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.