المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هيثم حامد حسن الجرو Headshot

مؤتمر بانرمان وتفتيت الوطن العربي

تم النشر: تم التحديث:

تعتبر منطقتنا العربية من المناطق الساخنة على مستوى العالم قرابة قرن من الزمان، وتتميز عن غيرها بالفوضى وعدم الاستقرار البنيوي، يظهر هذا بشكل جليّ وواضح للعيان، وكثيراً ما نتساءل فيما بيننا عن سر هذا الفشل والضياع الذي تمر به منطقتنا، هل نحن أصل المشكلة كم نحب أن نقول كلما حلّت علينا مصيبة؟ وإن كنا أصلها فما الحل؟ أو لنقول هذا قضاؤنا وقدرنا وعلينا القبول به بحلوه ومرّه! أو لنتخذ من القول المأثور لابن خلدون: "إذا عربت خربت" شماعة نعلق عليها هزائمنا وانتكاساتنا، أو أصل المشكلة يعود لأسباب وعوامل خارجة عن إرادتنا؟ وحتى نتمكن من إيجاد تفسير منطقي ومقنع للأمواج الهائجة التي تجتاح منطقتنا التي تبدو لنا ضبابية إلى حد ما، علينا أن نعود للوراء قليلاً بالتحديد إلى بدايات القرن العشرين.

في بداية القرن العشرين وصلت أوروبا إلى ذروة عظمتها، وأصبحت القارة العجوز المسيطرة على العالم بلا منازع، وإلى جانب ذلك بدأت تظهر بعض المتغيرات والمنغصات لصانع القرار في القارة العجوز، على رأسها أفول الإمبراطورية العثمانية إلى حد الزوال، وتمدد روسيا القيصرية جنوباً نحو البحر المتوسط وتهديدها مصالح الدول الاستعمارية، بالإضافة إلى صعود نجم ألمانيا التي وضعت صوب عينيها منافسة كل من المملكة المتحدة (بريطانيا العظمى) وفرنسا، هذه العوامل مجتمعة دفعت صانع القرار في القارة العجوز (بريطانيا العظمى) للإسراع لإيجاد الحل الأمثل والترياق الشافي لمعالجة هذه المنغصات المتصاعدة التي بدأت تهدد مكانتها على مستوى العالم، وعليه في عام 1905 تقدم حزب المحافظين البريطاني بتوصية مشروع إلى حزب الأحرار البريطاني الحاكم آنذاك، برئاسة هنري كامبل بانرمان، الذي سمي المشروع باسمه فيما بعد.

يعتبر مشروع بانرمان من أخطر المشاريع التي لها الدور الريادي في حالة الفوضى وعدم الاستقرار التي تمر بها منطقتنا العربية حتى الآن، وبالأخص شمال الجزيرة العربية "العراق وبلاد الشام" ومصر، بل أكثر من ذلك يعتبر -إن صح التعبير- الأب الروحي لكل الاتفاقيات التي وضعت لتفتيت وتقسيم المنطقة العربية، بدءاً من اتفاقية سايكس - بيكو عام 1916، ومروراً بكل من وعد بلفور عام 1917، ومؤتمر فرساي عام 1919، ومؤتمر سان ريمو عام 1920، ومؤتمر سيفر عام 1920، ومؤتمر سان ريمو عام 1923.

والمؤتمر الإمبراطوري 1907 كما يحب أن يسميه البعض، أو مؤتمر كامبل بنرمان، كما هو متعارف عليه، هو مؤتمر انعقد في لندن في 15 أبريل/نيسان 1907 بمشاركة عدد من الدول الاستعمارية هي: بريطانيا، فرنسا، هولندا، بلجيكا، إسبانيا، البرتغال، إيطاليا، وإلى جانب كبار علماء التاريخ والاجتماع والاقتصاد والزراعة والجغرافيا والبترول في القارة العجوز، واستمرت جلساته حتى 14 مايو/أيار 1907.

ولكن حسب الوثائق التي لدينا تؤكد أن الفترة التحضيرية له بدأت من عام 1905، وقد افتتح المؤتمر بكلمة ألقاها رئيس الوزراء البريطاني هنري كامبل بانرمان، ويذكرها هنا التاريخ: "إن الإمبراطوريات تتكون وتتسع وتقوى وتستقر إلى حد ما ثم تنحل رويداً رويداً ثم تزول، والتاريخ مليء بمثل هذه التطورات، وهو لا يتغير بالنسبة لكل نهضة ولكل أمة، فهناك إمبراطوريات روما، وأثينا، والهند والصين، وقبلها بابل وآشور، والفراعنة وغيرها، فهل لديكم أسباب أو وسائل يمكن أن تحول دون سقوط الاستعمار الأوروبي وانهياره أو تؤخر مصيره؟ وقد بلغ الآن الذروة، وأصبحت أوروبا قارة قديمة، استنفدت مواردها وشاخت مصالحها، بينما لا يزال العالم الآخر في صرح شبابه يتطلع إلى المزيد من العلم والتنظيم والرفاهية، هذه هي مهمتكم أيها السادة، وعلى نجاحها يتوقف رخاؤنا وسيطرتنا".

وبعد مناقشات مطوّلة، توصل المؤتمرون إلى نتيجة مفادها أن "البحر الأبيض المتوسط هو الشريان الحيوي للاستعمار، وأنه الجسر الذي يصل الشرق بالغرب، والممر الطبيعي إلى القارتين الآسيوية والإفريقية، وملتقى طرق العالم، أيضاً هو مهد الأديان والحضارات، ولكن الإشكالية أنه يعيش على شواطئه الجنوبية والشرقية بوجه خاص؛ شعب واحد تتوفر له كل عوامل الوحدة، وهي وحدة التاريخ والدين واللسان".

وقد خرج المؤتمر بعد مناقشات ومجادلات مطوّلة بمجموعة من التوصيات، على رأسها "على الدول ذات المصلحة أن تعمل على استمرار تأخّر المنطقة، وتجزئتها وإبقاء شعوبها مضللة جاهلة متناحرة، وعلينا محاربة اتحاد هذه الشعوب وارتباطها بأي نوع من أنواع الارتباط الفكري أو الروحي أو التاريخي، وإيجاد الوسائل العملية القوية لفصلها عن بعضها البعض. وكوسيلة أساسية مستعجلة ولدرء الخطر، توصي اللجنة بضرورة العمل على فصل الجزء الإفريقي من هذه المنطقة عن جزئها الآسيوي، وتقترح لذلك إقامة حاجز بشري قوي وغريب "دولة إسرائيل" فيما بعد، بحيث يشكل في هذه المنطقة، وعلى مقربة من قناة السويس، قوة صديقة للاستعمار عدوة لسكان المنطقة".

وبالرغم من وفرة المصادر التي تؤكد صدور مثل هذه الوثيقة، فإن عدم الإفراج عنها بشكل نهائي وتحفظ جميع الدول الموقعة على توصياته، جعل عدداً من المؤرخين والباحثين يشكك بوجوده أصلاً، أو أنه ضرب من الخيال.

المصادر
مصدر 1

مصدر2

ﻭﺛﻴﻘﺔ ﻛﺎﻣﺒﻞ ﺍﻟﺴﺮﻳﺔ ﻭ ﺗﻔﺘﻴﺖ ﺍﻟﻮﻃﻦ ﺍﻟﻌﺮﰊ - مركز الكاشف للمتابعة و الدراسات

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.