المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هيثم حامد حسن الجرو Headshot

عندما كانت منظمة التحرير الفلسطينية بين فكَّي كماشة

تم النشر: تم التحديث:

لم تولَد منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 من فراغ، بل سبقتها إرهاصات سياسية واجتماعية على الساحتَين الفلسطينية والعربية، ففي عام 1959 بدأت الأنظمة العربية تفكر بشكل جدّي بإنشاء كيان فلسطيني ينضوي تحت عباءتها، ولم يكن هذا التفكير بريئاً بالمطلق، فقد أحست تلك الأنظمة أن الفلسطينيين لن يطيقوا صبراً إلى ما لا نهاية على فرض الوصاية العربية عليهم، خاصة أن الفلسطينيين بدأوا يشكّلون تنظيمات وحركات عسكرية رغماً عن إرادة الأنظمة العربية؛ حيث إنه بإنشاء الكيان الفلسطيني "منظمة التحرير الفلسطينية" يمكن للأنظمة العربية من خلاله فرض سيطرتها على تلك الحركات والتنظيمات الفلسطينية، التي بدون السيطرة عليهم يمكن أن تجر الأنظمة العربية إلى مواجهة مع إسرائيل لا تُحمد عقباها.

والحق يقال إن الفصل الأول من ولادة منظمة التحرير الفلسطينية يعود للدور الذي لعبه الزعيم المصري جمال عبدالناصر في تقديم كل التسهيلات، وإقناع الأنظمة العربية التي ترى في نشأة منظمة تمثل الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، إضافة إلى فلسطينيي الشتات تهديداً لأمنها القومي.

وقد مرت منظمة التحرير الفلسطينية منذ نشأتها بعدد من العقبات:
الأولى: محاولة الأنظمة العربية السيطرة على قرارها وتحجيم دورها بتمثيل الفلسطينيين؛ لذلك كانت منظمة التحرير في بداياتها شبه معاقة الحركة، ولكن بعد هزيمة الأنظمة العربية في حرب عام 1967، وعجز تلك الأنظمة عن استعادة ما خسرته من أراضٍ، دفعها لمنح منظمة التحرير حرية الحركة وتمثيل شعبها؛ حيث بدأت فصائل منظمة التحرير على اختلاف مسمياتها تشن هجمات على إسرائيل من خلال الأراضي العربية، وفي المقابل كانت إسرائيل ترد على تلك الهجمات بقصف القرى والمدن العربية القريبة على حدودها، وأمام تلك التطورات شعرت الأنظمة العربية بخطورة منظمة التحرير، وبدأت تحجّم من دورها بمنعها من إستخدام أراضيها لمهاجمة إسرائيل.

أما العقبة الثانية التي اصطلح على تسميتها بأيلول الأسود، والتي وقعت أحداثها في عام 1970، عندما قامت القوات الأردنية بمهاجمة فصائل منظمة التحرير وطردها من الأردن، وبذلك فقدت منظمة التحرير تأثيرها في الساحة الأردنية التي ارتبطت مع إسرائيل بحدود طويلة يمكن من خلالها مهاجمة واستنزاف إسرائيل بشكل مستمر.

فلم يبقَ أمام منظمة التحرير إلا الحدود اللبنانية - الإسرائيلية بعد أن أوقفت سوريا نشاط فصائل منظمة التحرير الفلسطينية على طول حدودها مع إسرائيل.

العقبة الثالثة: الحرب الأهلية - اللبنانية عام 1975، التي تعتبر أشد وأخطر فترات الثورة؛ حيث إن وجود فصائل منظمة التحرير في لبنان أدخلها في صراع مع الدولة اللبنانية والطائفة المارونية التي رأت في منظمة التحرير تهديداً حقيقياً لمصالحها، وبتخطيط أميركي - إسرائيلي تفجّر في لبنان عام 1975 ما عُرف بالحرب الأهلية اللبنانية، وكان الهدف من هذه الحرب استنزاف منظمة التحرير وإشغالها في حرب ليست بحربها، وفعلياً تورطت المنظمة وفصائلها في تلك الحرب.

العقبة الرابعة: الصراع السوري - الفلسطيني؛ حيث إلى جانب تورط منظمة التحرير في الحرب الأهلية، دخلت في صراع مفتوح مع النظام السوري الذي سعى إلى تقليم أظافر منظمة التحرير، والسيطرة على قرارها السياسي والعسكري، وهذا ما رفضته منظمة التحرير التي قاتلت وحاربت منذ تأسيسها للحفاظ على قرارها السياسي والعسكري.

العقبة الخامسة: تمثلت في الغزو الإسرائيلي للبنان، حيث عندما أيقنت إسرائيل أن الحرب الأهلية اللبنانية استنزفت منظمة التحرير، قامت بمهاجمة لبنان عام 1982 ومحاصرة منظمة التحرير في بيروت الغربية، ونتيجة تخلّي كل الأنظمة العربية عنها، اضطرت المنظمة وفصائلها الانسحاب من لبنان إلى بعض الدول العربية التي لا تربطها حدود مع إسرائيل، وبذلك فقدت منظمة التحرير مكانتها وقدرتها على مواجهة إسرائيل.

ونتيجة لكل تلك العقبات والتخاذل العربي في دعمها، وجدت منظمة التحرير نفسها تسير في طريق غير الطريق الذي رسمته منذ تأسيسها، وهو التفاوض مع إسرائيل، وبتدخّل أطراف عربية ودولية جرت الاتصالات السرية والعلنية بين كلا الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، والتي تُوِّجَت بما عرف باتفاق أوسلو الذي نص على إقامة كيان فلسطيني على حدود الـ67، وبحكم ذاتي مرتبط كلياً مع الكيان الصهيوني الذي سعى من اليوم الأول لتصفية منظمة التحرير، التي كانت تمثل كل الفلسطنيين في الداخل والشتات، واستبدالها بالسلطة الوطنية الفلسطينية التي تمثل فلسطينيي الداخل؛ لتدخل بعدها القضية الفلسطينية في نفق مظلم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.