المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هيفاء سليمان  Headshot

ولماذا لا نقنن الفساد بدلا من محاربته؟

تم النشر: تم التحديث:

في النصف الغربي من الأرض، قال تشرشل: إن نصف أعضاء البرلمان الإنجليزي مجانين، قيل له: اعتذر، قال: إن نصف أعضاء البرلمان الإنجليزي ليسوا مجانين !
أما في نصفها الشرقي، فقد قال غاندي: حارب عدوك بالسلاح الذي يخشاه، لا بالسلاح الذي تخشاه أنت.

حسنا، يبدو أن القوم في الشرق واضحين جدا فيما يجب أن يقال وكيف يقال، وتعلمون أن هذا الأمر لا يناسبنا. أما في الغرب فالقوم يفهمون تماما بأن البرلمان والحكومة ليسوا أصدقاء، وهذا أمر آخر غير مناسب لنا بلا ريب .

علينا إذن أن نبتكر طريقة تناسب منتصفنا المميت للأصدقاء والأعداء معا، أن نبحث عن طرق تناسب فوضانا الخلّاقة، أن نفكر بحلول نوعية تساعدنا على اختطاف الأيام لصالحنا مرة أخرى.

لذلك على المهتمين بالتغيير في العالم العربي دراسة دهاء تشرشل في تأكيد ذات الحقائق بطريقة ذكية لا تستفز الأشرار للانتقام ولا أغبياء الفهم .

عليهم ألاّ يملّوا من المحاولة مهما كانت المحاولات تبدو مجنونة وغير قابلة للتطبيق، لم يظل شيء في عالمنا العربي منطقي ومعقول، فلماذا إذن تكون حلولنا منطقية!؟

ربما يمكننا استعارة العصا من جنية سندريلا التي قامت مشكورة بتحويل اليقطينة لعربة والفئران لخيول، لابأس كذلك لو فكرنا بالبحث عن ثقب زمني يمكننا من العودة للحظة التي كنا جديرين فيها بأن يكون الزمن منحازا إلينا، المهم أن نبحث عن طريقة تنجينا من هذا العبث الذي حولنا إلى بؤساء وحول أوطاننا إلى خرائب إسمنتية.
لو أن ذلك بالامكان لاخترت البدء بالمحاولة مع جنية سندريلا التي تبدو لي أكثر ضمانة في إعادة الحق لأصحابه من البشر والتاريخ.
إن فشلت كل الطرق المجنونة التي سنبتكرها لا بأس لو استخدمنا طريقة تشرشل في طرح ذات الحلول لكن بطريقة بديلة، نستعرض قائمة مشاكلنا ثم نبدأ بطرح الحل المناسب لكل مشكلة بطريقة تحمي المتسببين بها وتنقذ شيء من الأيام المتبقية في عمر المتضررين منها.

صحيح أن قائمة مشاكلنا ستبدو أكثر طولًا من الليلة الأولى لسجين بريء، لكن تفتيتها وعزلها عن بعضها البعض مهم، لأنه أكثر سرعة في تحقيق نتيجة من الرجوع لسببها الأصلي الذي يبرر حدوثها في الأساس.

إنّ السبب الحقيقي في كل مشاكل العالم العربي هو استلاب العقول وتغييبها، نحن لا ننكر وجود مشكلة حقيقية فينا جعلتنا لقمة سائغة لبعض الأمم التي مازالت تتعامل معنا وكأننا مزرعة أقطعها لهم الرب، كل ما فيها وكل من يرعى فيها ملك شِمالهم القذرة، لكن دعونا نتجاهل هذه المشكلة حاليا ونلتفت لمشكلتنا الأخرى، كوننا دائما منقسمين لفريقين، سنة وشيعة، سلفيين وليبراليين، رجال ونساء، صغار وكبار، عاربين ومستعربين، تقدميين ورجعيين، إلى آخر هذه الانقسامات الفيروسية التي حولتنا لفرق تتبارى فيما بينها بجنون، فيما المباراة لا تزال عالقة في المنتصف وما من كأس ينتظر، الجميع هنا خاسر بالضرورة.

لنبدأ بمشكلة الانقسام هذه، لماذا لا تفكر الحكومات بتقسيم كل مدينة لقسمين، الأول للمشاغبين بعنف يتفرغون فيه لخلافاتهم وتفجيراتهم إلى أن يكملوا بأنفسهم حصد أرواح بعضهم البعض فيه بسعادة، وقسم ثان للآخرين الذين لاتعنيهم تلك الخلافات بشيء، أو الذين لا يتفقون مع العنف كطريقة لممارسة الاختلاف. أعتقد بأن هذا الحل مرضي للجميع، فكل فريق سيحظى بالحياة التي اختارها، كما سيوفر لأي حكومة ترغب بالسرقة الهدوء اللازم لابتكار وسائل نوعية للنهب.

وبما أن الهم بالهم يُذكر، نعلم بأن مشكلة النهب والسرقات مؤرقة هي الأخرى. فلماذا لا نبحث عن حلول نوعية تناسبها وتحفظ لنا ثباتنا التاريخي في مهادنة الظلم .
مبدئيا دعونا نعترف بأحقية جميع الأوغاد في النهب، سنعلن بأن لا ضغينة لدينا على أحد يود أن ينهب فهذا حق نفسي مشروع لأي انسان في موقع سُلطة. نحن فقط نبحث عن حل يراعي حقنا وحق الأوغاد معا، حلا يمكن تنفيذه باستخدام فوضانا النوعية الخلاقة.

بداية سنطالب الحكومات بالاعلان الرسمي عن قائمة بأسماء من يُسمح لهم بالسرقة، مع سقف أعلى للسرقة، وسنتعهد نحن كشعوب بالموافقة على كافة الأسماء المدرجة فيها، وبالمقابل على الحكومة أن تضرب بيد من حديد على يد أي شخص آخر خارج القائمة يفكر بالسرقة.
تبدو هذه الفكرة مجدية؛ فهي من ناحية ستوفر للأوغاد الرسميين الإحترام اللائق باعتبار أنهم يمارسون حقهم المشروع في النهب، ومن ناحية أخرى ستوفر لخزينة المال العام ثروة مهدرة لتوفير غطاء قانوني للسرقة أو لإسكات بعض المبتزين، سنعتمد الفكرة بشكل قانوني ومعلن، ويمكننا فيما بعد تطويرها بتحديد النسبة الدولية العربية للنهب القانوني، سنتكيء على الحكمة القائلة: "نص العمى ولا العمى كله" في اقناع من يفكر بتضييع مزيد من الوقت في البحث عن حل يمنع الجميع من النهب.

بهذا الشكل على كل الشعوب العربية أن تبدأ بحل مشاكلها، باستخدام فكرة الحلول النوعية، الحلول التي تتجاوز الإيمان بالحق والعدل والمساواة، هذه القيم الإنسانية لم تتجاوز الكثير من الورق والقليل جدا من القلوب المؤمنة. والقليل من الإيمان ليس كافيا لخلق تغيير يذكر.

بهذا الجنون علينا أن نتعامل كأشخاص مع مشاكلنا الشخصية التي نخوضها بمواجهة أنفسنا أو الآخرين .
علينا أن نبدأ بالاعتراف بأن الفرصة لم تعد متاحة في هذا العالم القميء للاحتكام للعقل والحق والمنطق.
ربما حان الوقت الآن لنفكر بإقصاء العقل جانبا واستحضار الجنون .
على أقل تقدير فإن الجنون سيمنحنا ضمانة لإحدى الراحتين، فإما أن يوصلنا للحلول المناسبة أو سيوصلنا للراحة من الفهم الذي سيفضي بنا للبحث عن حلول نوعية!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.