المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هيفاء سليمان  Headshot

صديقي فولتير

تم النشر: تم التحديث:

في الوقت الذي تُغرم فيه الفتيات عادة بالشعراء، كنتُ حينها أصارع غرامي بفولتير، كنت أبتسم بسرور حين أجد عبارات مقتبسة له في مقال أو في مجلة، معتقدة بأن تلك هي البوابة الوحيدة التي سأقرأ فيها عباراته الخالدة، لم أكن حينها بالسن الذي يستوعب كيف يبحث عن مؤلفات فيلسوف، ولم أجد بمكتبة الحي التي أتردد عليها سوى بعض المجلات والروايات العالمية ومجلدات من الكتب الدينية.

على أية حال؛ كان ذلك الشغف بفلسفة المدرسة التي تعلمت منها قيمة الإصغاء بسن مبكرة، حين أدركت مع الوقت بأن ما يتميز به هذا الرجل هو أنه يُجيد الإصغاء لمن حوله ويجيد رؤية ما حوله، لذلك امتلك القدرة على المشاهدة البانورامية لما يحدث أمامه.

ثم كبرت ولم ينبهني صديقي فولتير بأن لذلك الإصغاء فاتورة سأقوم بتسديدها بالضرورة من قلبي وعقلي بسذاجة من يتوخى المساواة في الظلم على سبيل العدالة، لقد أغفل ذلك كعادة المعلمين المحترفين الذين يؤمنون بأن لذة الاكتشاف تُفسدها التنبيهات المسبقة بالحذر.

كبرت أكثر فتعلمت أن أراقب الحياة كشاشة سينما ضخمة، وأن كل من أشاهدهم هم ممثلون يؤدون أدوارهم التي كتبوها بأنفسهم. وجدت في الحياة الواقعية حكايات أكثر حبكة وواقعية من تلك الأفلام التي يختلقها المؤلفون على الورق، وأدركت أن أعظم ما تتميز به سينما الواقع عن السينما التي صنعها البشر، هو أن الإخراج فيها صنعة إلهية خالية من شوائب النقص والخطأ، ففي سينما الواقع لا يوجد مؤلف ولا مخرج بل فيض من المشاهد الإنسانية العفوية المتدفقة بتناغم عجيب، ونستطيع نحن كمشاهدين لو تعلمنا المشاهدة بحياد وعدالة، أن ندرك من هو البطل في المشهد ومن هو الكومبارس، من هو الطيب ومن الشرير.

اكتشفتُ بأن الكثير منهم لا يعلم طبيعة الدور الذي يؤديه، لقد وقع السواد الأعظم في ذات الفخ حين انشغل بنقد طبيعة الدور لمن يشاركه في المشهد، ولم يفكر للحظة واحدة بدوره هو.. ذلك هو الفرق الجوهري الوحيد بين الممثلين المزيفين على شاشات السينما وبيننا نحن كممثلين على أرض الواقع في كل ما يحيط بنا من دراما أو كوميديا.

اليوم لم أعد أطارد أقوال الفلاسفة ورؤاهم ونظرياتهم عن الحياة، لقد استبدلت بهم من يشبههم في أرض الواقع، بمن امتلكوا من الحكمة والبصيرة ما يجعلهم يفهمون بأن الإنسان هو ما يفعله لا ما يقوله دون أن يخبرهم ديكارت بذلك، وفي كل مرة تلتقط فيها أذني خلاصة للحياة ممن لم أخالهم يوماً أهلاً للفكر والفلسفة أجدني أتساءل: كم غيّب التاريخ من فلاسفة لمجرد أن أحداً لم يظن بأنهم جديرون بالالتفات، وكم خسرت الإنسانية من إرث للحكمة لدى العامة بسبب هذا الارتباط العجيب الذي صنعه العامة ذاتهم بين الحكمة والنُخب.

لذلك لا تهملوا الإصغاء، فتشوا عن الحكمة في كل ما يحدث حولكم. لا تعبروا شيخاً أو طفلاً، رجلاً أو امرأة.. دون أن تمنحوه لحظة إصغاء لعل الله يُجري على أفواههم رسالة تمنحكم إجابة لسؤال ظل معلقاً ولم يضع الله إجابته على لسان فولتير وإخوته في الفلسفة.

في الحقيقة ما زلتُ أثمّن كثيراً مما تركه الفلاسفة من إرث، لكنني بعد طول تأمل ومقارنة لما أخبروني به وما أخبرني به البسطاء من حولي خلصت لنتيجة؛ فلاسفة البشرية حقًّا هم أطفالها، صغارها الذين ستظل تستمع لهم بدهشة كلما تعلّموا كلمة جديدة وأسرعوا نحوها ليوثقوا انتصارهم الجديد فتكافئهم بقبلة، وربما قطعة من الحلوى، لذلك فهم يعبرون عن أفكارهم بسلاسة وثقة؛ لأن لدواخلهم براءة وطهارة الأطفال، تُخلّد كلماتهم لأنهم يصرخون بها فرحين كصرخة الطفل الذي اكتشف لتوّهِ مسألة بديهية فصرخ فَرِحاً بالنصر.
نخلدها نحن لأننا نتسامح معهم كتسامحنا مع الأطفال، نفرح بإدراكهم ونحب أن نقرأ لهم لنختلس لأنفسنا لذة الإحساس بالحياة دون التشوهات التي صنعناها لأنفسنا.
الفلاسفة كالأطفال ليست لديهم تعقيدات مع المجتمع أو مع أنفسهم، يقولون ما يخطر ببالهم بدون مراجعة أو تفكير، لذلك يدهشني ويضحكني أحياناً ظني القديم بأنهم الأكثر ذكاءً بينما هم آخر من فَهِم البديهيات.
وفي كل حكاية من الواقع كتب الله لي أن أشهد فصولها كانت الحكمة في الختام، الختام الذي يأتي في كل مرة بشكل مغاير ليؤكد بأن من أراد أن يستقي الحكمة بصدق عليه بالصامتين، عليه أن يستنطقهم بصبر وليبشر بما يملأ خزائنه بعصارة الحياة دون خسائر تُذكر ولا اضطرار للدفع مقابل التعلُّم، ولأن الذكرى تنفع المؤمنين فإنني سأذكّر بأن ليس كل صامتٍ حكيم، عليك أن تتبع حدسك في التفريق بين صامتٍ باختياره وبين من يفغر فاهه لأنه لا يفهم أي شيء مما يدور حوله وليس لديه موقف أو رأي حول أي شيء في الحياة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.