المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هيفاء سليمان  Headshot

لسنا أنبياء

تم النشر: تم التحديث:

لنفهم البشر بشكل جيد ربما علينا أن نفهم الحيوانات أولاً.

إن دراسة السلوك الحيواني أكثر إلهاماً للعقل من السلوك البشري، فالسلوك الحيواني فطري وطبيعي لا تشوبه ضلالات العقل الموعود بالغواية من قبل خصم بحجم إبليس.

أي سخرية أكثر من هذا، وأي الأمور أكثر مدعاة للتدبر من أن يكون العقل أيقونة التميز البشري عن باقي التصنيفات هو السبب الأول في تدني البشرية؟

أنَّى لنا أن نحترم عقلاً لا يدرك أهمية الانحياز للفطرة السليمة، للخير، للحق، للحرية والعدل في المساواة؟
كيف سنتعاطف مع العقول التي لا تدرك أهمية القيم العظيمة في استعادة الإنسانية الممزقة بحوافر القطيع من الشياطين البشرية؟


الحقيقة بأننا لن نستطيع التعاطف بسهولة فنحن لسنا أنبياء، ليس باستطاعتنا أن نفعل دون أن يترك الحنق بداخلنا ندبات تليق بحجم اهتماماتنا التي تجاوزت مكاسابنا الشخصية كأفراد، ليس باستطاعتنا تحقيق أي تغيير في أنفسنا أو من حولنا دون أن نسدد فاتورة ذلك التغيير من قلوبنا بكسر ودائع الصبر المُدخرة فيه للأيام الأكثر فقراً في الأمل، لن نتمكن من أن نخطو خطوة واحدة فعلية في التغيير ما لم نُجبر عقولنا على الترجل من علياء الغرور الذي صنعه الوهم بالفهم. لن نستطيع أن نفعل شيئاً بهذا الصدد ما لم نحاول -ولو مرة واحدة- أن نتساءل كيف تمكن الأنبياء رغم بشريتهم أن ينتشلوا البشر من براثن الشياطين.


الأنبياء يشعرون بالحزن تجاه من يكذبهم ولا يشعرون بالحنق؛ لأنهم يعلمون أن ما يدعون إليه هو الحق وهذا شأن خاص بهم كأنبياء، لكن ثمة شأن آخر لهم يختص ببشريتهم، وهو شأن خاص بقلوبهم، فالأنبياء يمتلكون قدراً من الصبر والتسامح مختلف عنا جميعاً كبشر، وأقصى ما نستطيع فعله حين نفهم خصوصيتهم كأنبياء مع استحضار بشريتهم في الواقع، هو أن ندعو الله أن يرزقنا ولو قليلاً من طهارة تلك القلوب، لعل الله يستجيب لنا فينتشل الأخيار من الدنيا وينتشل الأشرار من الآخرة.

للأنبياء سر أنهم مُنحوا الحكمة التي مكنتهم من فهم الإنسان؛ لذلك كانوا مؤهلين لحمل رسالة للإنسانية ككل، فالحكمة ليست صنيعة العقل، الحكمة بصيرة يحصل الإنسان على قدر منها كلما ازداد التكامل بين عقله وقلبه في فهم الأمور.

ربما يستطيع الإنسان بمفرده باستخدام العقل فقط، أن يكتشف حقائق علمية مذهلة؛ لأن العلم شيء نظري في واقعه لا يحتاج لأكثر من عقل يجيد دراسة الفرضيات وتحليل النتائج، لكن الإنسان ذاته لا يمكن فهمه بالعقل فقط، الإنسان ليس نظرية بحاجة لإثبات، الإنسان حقيقة لم يكتشفها إنسان، ولذلك كانت الإنسانية تُنتشل بالأنبياء، لتصحيح بوصلتها وإعادتها لفطرتها السليمة.

إنّ أحد أكثر الأمور التي فكرت فيها حكمة الله تعالى في عودة عيسى عليه السلام للأرض، وحين وضعت هذه الحقيقة بجانب حقيقة أن محمداً عليه الصلاة والسلام هو آخر الأنبياء، قفز إلى ذهني السؤال: لماذا يعود نبي للأرض؟ لمسألة تختص بقصة النبي ذاته، أم لمسألة ستستجد فيما بعد لا يعلمها إلا الله تعالى؟
حين فكرت بالأمر من زاوية البشر وليس النبي، فهمت أن عودة عيسى -عليه السلام- ربما ستكون من أجل البشر وليس من أجل الأديان ولا الأنبياء.

كل يوم إضافي على هذه الأرض سيمنحك مزيداً من التأكيدات على صحة هذا الفهم، كل خبر وكل صورة في محطات الأخبار، كل من ستلتقي بهم بشكل أو بآخر سيدفعونك لهذا اليقين لو أنك فقط تتدبر فيما تشاهده وتسمعه وتقرأه.

إن البشرية تتجه في طريق من الخراب، بحيث ستصل للحد الذي لن ينتشلها منه إلا نبي، هذا الأمر لا يحتاج لوحي إلهي، قليل من التأمل لتاريخ البشرية وحاضرها كفيل بإثبات التكرار السرمدي للخيارات البشرية رغم تكرار الفرص.

رغم المفارقة بأن التأمل لن يُفْضِ لاستحضار التفاؤل، إلا أنه لن يقتل الأمل، وبمحاذاة يقيننا بأننا لن نستطيع أن نحدث تغييراً جوهريًّا علينا أن لا نتخلى عن المحاولة على الأقل، أن نجعل من أنفسنا لغة تعبّر عن رفضنا لكل أنواع الشر والأذى الذي يلحق بالإنسان، علينا أن نحاول تصحيح الأمور من حولنا دون أن نتوقع بأننا سنفعل ذلك بتسامح الأنبياء، لذلك على محاولات التصحيح أن تسير بمحاذاة الحنق، علينا أن نترك للعقل شرف الاستمرار بالمحاولة، ونترك للقلب مهمة تكسير الحنق على حوافر القطيع، بالطريقة التي تتناسب مع حجم الصدق الذي يحمله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.