المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هيفاء سليمان  Headshot

حين عادت منى

تم النشر: تم التحديث:

كفى بهذه الحياة زيفًا أن يكون الموت هو الحقيقة الوحيدة فيها التي لا تقبل التشكيك، وحسبها من اللذة أن تُنسينا هذه الحقيقة على الدوام.

مثلكم أنا ينتابني الفزع كلما شعرت بأن اسمي مدرج بقائمة استدعاء محتم تُركت خانة الموعد فيه فارغة يسكنها الترقب، مثلكم أحاول أن أبدو رابطة الجأش مستسلمة لقدر لم يثنِنِي عن محاولة فهمه سوى يقيني بصغر شأني وضآلة أحلامي التي تتشبث بالزيف الذي أعرفه مخافة الحقيقية التي أجهلها.

رغم أن الموت واحد ستجد له من الوصف والمشاعر والتفسيرات بعدد الأحياء الذين أفلت الموت أيديهم من أيدي أحبائهم، ولأن تفسير الموت مع الأموات يضطر الأحياء أن يبنوا جسرا من اللغة مع الموتى، يحولونه دون قصد منهم إلى حياة تخيلية مشتركة لا تُفزِع الأحياء من الموت ولا تُقصي الأموات عن الحياة.

ما زلت أتذكر تفاصيل تلك اللحظة، حين أخبرني شقيقي الأكثر صمتًا بأنه قرر تسمية مولودته الأولى
"منى" تيمنًا باسم شقيقتي الكبرى منى رحمها الله، الصديقة التي كشف غيابها عن قيمة حضورها الذي أخطأ المزيفون قراءته لفرط اعتدادهم بقدرة عقولهم على القراءة بدقة، ثم فهموا بعد مغادرتها أنها لم تكن ليقرأها عقل، كان بها من الصدق ما يجعلها عصية على العقل فمثلها لا يُقرأ إلا بقلب لا يخالط إيمانه عقل.

أتذكر حنقي الشديد على كل الذين أشادوا بلفتة شقيقي الأصغر حين وضع بذرة تُنبِت منى بمنزلنا فتذكرنا بالدعاء لها. وددت أن أسدد لقلوبهم لكمة تحيي الشعور فيهم وتقتل الحكمة. وددت لو أنني وضعت يدي على أفواههم قبل أن تتلف كلماتهم تفاصيل الإياب الذي أنوي به العودة لمنى. وددت لو أنني أستطيع أن أصفعهم لأخبرهم بأن منى ما غابت قط، وأن غاب اسمها، كانت حاضرة تخرج من إطارات الصور تنسج من غيابها حكايات تُدثرنا كلما بردت أطرافنا لغياب أمي التي غادرت معها في نفس اليوم، وما زلت إلى اليوم أحاول أن أفهم بأيٍّ منهما كان القدر أكثر رحمة حين قرر أن لا يفلت يد إحداهما من الأخرى في الحياة والموت على حد سواء!

اليوم أتمت منى الصغيرة عامها الأول، وهي لا تُشبه منى إطلاقًا، ظللت أراقبها سنة كاملة، لم أبحث عن منى فيها ولم أسعَ لذلك، لكنني قبضت على نفسي متلبسة بابتسامة ذات مرة وأنا أقارن دون قصد مني بين منى الصغيرة المشاكسة حد التنمر ومنى التي كانت تكتفي بالصمت كلما اشتدت بها الحاجة للكلام.

اليوم أيضا تمثل منى الصغيرة المعنى الأكثر صدقًا للهدية الإلهية، بوجود هذه الصغيرة وبحضورها بهذا القدر من المشاكسة أضفت على الهدية قيمة أثمن مما كان متوقعا لها، وتلك هي الهدايا الإلهية لا تنفك تكشف لك عن صور للسعادة ما كانت لتخطر لك على بال. خلقت تلك الصغيرة قبل أن تتعلم النطق حكايات جديدة وضحكات جديدة وأحاديث عن المستقبل لا يسقط اسم منى من تفاصيله.

هكذا أرى منى الصغيرة، كيان جميل مشاكس مستقل يثبت أصالته واستحقاقه بأن لا يكون نسخة للتذكير، منى الصغيرة حالة متفردة تشي بتاريخ سيصنع لنفسه امتدادًا يليق باختلافه وتفرده. لكنني ممتنة لله وممتنة لقلب شقيقي وممتنة لتلك الصغيرة التي أعادت لي اسم منى، أعادت لأذني اسمها لأن مثل منى لا تغيب، يغيب اسمها فقط.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.