المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هيفاء سليمان  Headshot

رِدّة

تم النشر: تم التحديث:

عليك أن تشك بقلبك إن لم يخفق للحظة التي اهتز بها جسد السفير الروسي برصاصة لم يأتِ بها الإرهاب، وإنما جاء بها القصاص العادل.

بقدر ما سيبدو هذا الحديث تطبيعاً مع الإرهاب على مقاييس السياسة والمشتغلين بها، لكنه حديث قلب في حقيقته، وإن كان عن حدث سياسي من حيث المظهر.

إنّ أحاديث القلوب يا كِرام لا تحتكم لمكاسب السياسة، لا تفقه لغة المنابر ولا تعير التفاتة لمن يريد لها أن تخضع لبروتوكولات العالم المتحضر، العالم الذي لم تردعه حضارة أو إنسانية أو دين عن قتل كل معنى للإنسان في العالم الثالث، ولكنه لم ينسَ أن يعبر عن استيائه من فضاضة القتل بحضرة الفنون.

الحديث هنا عن جذل لا يمكن نكرانه، عن تشفٍّ جاء باللحظة المناسبة لينتشل القلب من شعوره بالهوان والهزيمة، حديث عما يشعر به القلب حين يشاهد لقطة للعدالة بعد ليال طوال أمضاها يتجرّع مرارة الإحساس بالعجز وهو يتابع أخبار المجازر في حلب، القلب الموجوع بصمت العالم المخجل الذي يشيح بوجهه بعيداً عن رؤية جثث الأطفال وأشلاء القتلى المتناثرة.

والقلب الذي تقاسمت حواسّه القنوات والصحف والوكالات الإخبارية فيما تتسابق مع بعضها البعض بشكل محموم لتكافئ اهتمامه بلقطات نوعية للموت، لا يمكنه بأي حال من الأحوال ألّا يطوف بمخيلته بعد تلك الليلة على وجوه الشهداء، لا يمكنه أن يقاوم فرحته بفرصة شعوره ولو على سبيل الحلم، أن يغمض أعينهم ويقبل جباههم، أن يمسك بأيديهم ويقبل كفوفهم يخبرهم أن هناك من غضب لأجلهم بشكل لائق.

لا يمكن لذلك القلب أن يخضع بعد كل تلك المجازر لتعليمات السياسة والآداب العامة للحديث في المنابر، لا يمكنه أن يفرط بفرصة العودة لصور الشهداء يمسح على جباههم ويتلو على آذانهم آيات من ذكر العدالة كيف أصبحت رغم أنف العالم المتحضر انتقاماً ساحراً، شامخاً، حاسماً وسريعاً وإن لم يكن كافياً، لا يمكنه أن يبيت تلك الليلة قبل أن يخبرهم كيف كانت رصاصة الموت العادلة إعلاناً للحياة على طريقة القلوب التي لم تستعبدها بعد حسابات الموت والحياة.

لا يمكن للقلب الذي كان شاهداً على ذبح كل معنى للإنسانية في حلب أن يحتكم لغير الكفر بالإنسانية ذاتها التي تقيم الدنيا ولا تقعدها لاغتيال رمز من رموز الإرهاب، بينما تتعامل مع قتلى العالم الثالث وكأنهم قطط ضالة دهستها عجلة الحضارة، فيما كانت تسوي الطريق لاستقبال جيل جديد من البشر يفهم جيداً كيف لحدود الجغرافيا أن تنتزع من الإنسان قيمته.

قد يتساءل أحدكم كيف للاغتيال أن يكون صورة للإنسانية؟ وهو سؤال مشروع أعترف بهذا، فقد كنت أوجهه لقلوب أخرى سبقتني الكفر بإنسانية العالم المتحضر، العالم الذي كان وما زال يقيّم الإنسان بناء على جواز سفره أو لون بشرته، العالم الوقح الذي ينظر لإنسان العالم الثالث كزائدة دودية لا سبب معروف لوجودها، وليس ثمة ضرر من استئصالها.

لم تخبرني تلك القلوب كيف للقتل أن يكون نصراً للإنسانية، نظرت نحوي بشفقة فيما كنت مهتمة بمدى مواءمة مبادئي الإنسانية لمسطرة العالم الأول المتحضر، تركتني تلك القلوب لأوهام العدالة والإنسانية والتحضر تفتك بي حتى أحضرتني لهم حلب، أسوق ما تيسر من الأعذار والدموع، أتيت لهم معتذرة أعلن انضمامي لركبهم المبارك، وليذهب العالم المتحضر للجحيم، حيث يجب أن يكون.

جئت أخبرهم بأنني أخيراً فهمت، فهمت أن هذا العالم القذر لا يستحق أن تحافظ على قواعد اللياقة والتهذيب حين تصف فعاله، عليك أن تجابهه بقلب عامر بالكفر بمبادئه الوضيعة وانتقائيته الوقحة، عليك أن تعلن ردتك عن الإيمان بإنسانيته العوراء دون خجل، ولتكن رِدّة مدوّية كالرصاصة التي ترنح لها الدّب الروسي في ليلة أعادت للذاكرة صورة الغرور الأميركي حين استقبله قلب عراقي أصيل بحذاء استحق أن يخلده التاريخ، ليس لأنه أوشك أن يلامس وجه أميركا، وإنما لأنه لامس ذات يوم قدماً لروح حرّة تفهم لأجل من يُرفع السلاح وبوجه من تُرمى الأحذية.

لا يمكنك مهما تمكنت منك الحضارة أن تلوم القلب حين يفرح بالقصاص، وإن بدت تلك الفرحة بدائية وغير متناغمة مع العالم المتحضر، فالقلب السوي الذي يرفض كافة مظاهر القتل والإبادة مهما كانت الأسباب، لا يمكنه كذلك ألا يفرح حين يرى أن الرصاص قد تمكن أخيراً من عكس اتجاهه على سبيل العدالة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.