المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هيفاء سليمان  Headshot

وكيف سيبتسم!؟

تم النشر: تم التحديث:

لم تُتقن الحياة التزوير في شيء كما أتقنت تزويرها لفكرة الموت.
لقد كانت من الدهاء بحيث تجاوزت الطرق البليدة في تزييف الصور بوضع معنى مخالف لها، لقد تجاوزت الحياة ذلك إلى طريقة أكثر إبداعاً حين زرعت سرطان الخوف من هذه الفكرة في عقول البشر.

فهل يوجد ما هو أكفأ من الخوف؛ ليجعلك تتوهم بأنك غير قادر على كسب معركتك؟
هل يتوافر مخدر أقوى من الخوف يجعلك تتوهم أن السلامة في الفِرار؟!

الخوف فكرة بشعة، وسلاح سرطاني فتّاك؛ لذلك أوهمتنا الحياة بالخوف من الموت؛ لتضع بيننا وبينه من الحواجز ما يمنعنا من قتلها بقلوبنا.. وقتل الحياة لا يُقصد به أن نعيش بائسين نتجرع المرارة ونتمنى الموت ولو كذباً؛ لشدة شعورنا باليأس.

المقصود هو قتل معناها الحقيقي الذي تمثلّه، بأنها مرحلة وتجربة عظيمة، تجربة نحن مرغمون على خوضها، سواء فهمنا المغزى منها أم لم نفهم، تجربة أثبت الموت بأنه الشيء الوحيد المؤكد فيها، ورغم معرفتنا اليقينية بهذا المعنى للحياة والموت إلا أن الخوف يدفعنا لتجاهله.

لكن لحظة.. دعونا نتوقف قليلاً لنتفق على أمر يفرضه العقل؛ بما أننا سنغادر هذه التجربة عبر حقيقة نتجاهلها في موعدٍ نجهله، علينا إذاً أن نتصرف كعقلاء ونواجه هذه الحقيقة.
علينا أن نبدأ التفكير بإعادة التعارف مع الموت بشكل مبني على الثقة في أنّ كلاً منا يؤدي دوره فقط، فلنجرب أن نفعل كما يفعل العقلاء حين يلتقون في مكان العمل.
علينا أن نصافح الموت مبتسمين، ولنجعله يبتسم علينا أن نبدأ التعارف معه بلا ضغينة!

إن الذي زرع في أذهاننا أن الموت فكرة مُخيفة ظلمنا وظلم الموت، ظلمنا لأنه وضع بيننا وبينه حواجز منعتنا من معرفته بالشكل الذي سيعيننا على الثبات حين نواجهه، هذا الخوف الغبي من الموت جعلنا مشلولين بفكرة حضوره المُفاجئ، وإصرارنا الغريب على الإعراض عن معرفته بشكل أعمق منحه ضبابية منحته قوة أعلى مما يمتلك في واقع الأمر.

إنّ طريقة البشر في التعامل مع مفهوم الموت مضحكة للغاية، كطريقة الأطفال حين يُديرون ظهورهم للعالم ويستقبلون الجدار برغبتهم؛ لذلك أقول بأننا ظُلِمنا، لا أعرف من ظلمنا بالتحديد، قد يكون إبليس وقد نكون نحنُ من ظلمنا أنفسنا بهذا الفهم المغلوط، السيئ في الأمر أن الثمن الذي يدفعه البشر لقاء هذا العناد الطفولي باهظ في الدنيا والآخرة، أما الجيد فهو اليقين بأنّ رحمة الله المطلقة تُميّز بين المغفلين والمتغافلين، وعدالته تعالى وحده من يحق لها المحاكمة على النوايا.

حتى الموت ظُلِم بهذا الفهم المغلوط المبني على الفزع، ظُلِم الموت حين تم تزوير صورته الفعلية كحضور يكفي لموازنتك، لئلّا تفرح بما لديك ولا تأسَ على ما فاتك.
فكرة بهذا الشكل يفترض بها أن تكون دافئة كفاية لتجعل للرضا بقلبك مسكناً ومقاماً.
يفترض بهذا الحضور الحكيم للموت أن يغير معنى الحياة كاملاً ليقلبه رأساً على عقب، لكن المفارقة أنه لن يقلبها، وإنما سيُعيدها لصورتها الصحيحة قبل أن تقلبها المفاهيم المغلوطة.
كما يفترض بنا أن نتسامح مع فكرة الموت حين ندرك بأنه أكثر شيء يقدّم السلوى لحظة شعورنا بالبؤس والهزيمة فهو الضمانة بأن كل شيء زائل، وأن نشكره حين نستحضر فكرته في ذروة شعورنا بالقوة والنجاح، فهو الكفيل بكبح جماح غرور الإنسان حين يظن بأنه مختلف عن سواه من البشر.
إن الموت كحقيقة تستحق منا تعامل أفضل من هذا العبث الطفولي.

يستحق الموت أن نُزيل من أذهاننا فكرة أنه العدو الذي يتربص بنا، فهو مخلوق مثلنا له خصائصه وله دور محدد، وهو يؤدي دوره الموكل به دون ضغينة، نحن من قرر أخذ الأمور بشكل شخصي، هذا التعامل الطفولي البشري مع الموت هو ما جعل البشر يخسرون فرصتهم في الحياة، حين ظنوا أن الموت نهاية رغم أنه بداية، وحين تناسوا أنه رغم سلطته التي منحها له الله، إلا أنه هو أيضاً لا يملك القرار في الموعد الذي سيأتي به!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.