المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هيفاء سليمان  Headshot

نظرية الآهااااا

تم النشر: تم التحديث:

أن تكون مدرّساً للرياضيات يعني أنك ستكتسب مهارة عالية في قياس المسافة التي تفصل أحدهم عن فهم المعطيات الموجودة أمامه، يعني أن تحصل على تدريب مجاني من الحياة يؤهلك لتميّز بسهولة بين عقول تظن بأنها تفهم، وعقول تحاول أن تفهم وعقول لا تريد أن تفهم.

لعل هذا الأمر هو أثمن ما قدمته لي دراسة الرياضيات كتخصص، ورغم أنني مارست تدريسها لعشرين عاماً لكنني لم أستطِع استساغة جمودها، إلا أني أدين لها بأنها علمتني الصبر، علمتني بأن العقول وإن تقاربت في مستوى الاجتهاد، إلا أنها لا تتساوى في مستوى الفهم، بعض العقول تلتقط المعلومة وتدرك كيف توظفها للوصول للنتيجة، فيما البعض الآخر منها يحتاج لوقت أطول لتلتقط المعلومة، ومن ثم تحتاج لوقت إضافي أيضاً لتحليلها، ورغم ذلك قد لا تصل تلك العقول للنتائج الصحيحة رغم اجتهادها ورغم وهمها بالوصول!

أن تكون معلماً فإنك ستكون مضطراً لانتظار الطالب ليستوعب النظرية التي تقوم ببرهنتها، وبقدر خبرتك ستكتسب مهارة أعلى في تخمين الوقت الذي يحتاجه الطالب ليلحق بزملائه الذين تقدموا عليه في الفهم، وستعلم تحديداً كم دقيقة تفصلك عن سماع صرخة الاستيعاب الشهيرة: "آهااا"، والترجمة الحرفية لـ«الآها" هي "الآن فهمت"، وتعتبر مرادفاً ضمنيا لصرخة أرخميدس الشهيرة "وجدتها".

بالنسبة لأي معلم فإن صرخة الطالب وابتسامته العريضة جذلاً بالفهم هي المكافأة الحقيقية على الجهد الذي بذله في الشرح، وعلى الصبر الذي لازمه للانتظار حتى تُطلق آخر "آهااا" في كل نظرية أو فكرة يشرحها.
يكون هذا الأمر مقبولاً حين تؤديه لوقت محدد مع فئات محددة، ويصبح محتملاً؛ لأنك تعلم أنه ضمن مهامك كمعلم، لكنه أمر مزعج للغاية أن تجد نفسك تعايش ذات الحالة حين تكون في نقاش مفتوح مع أشخاص بنفس مستوى تعليمك، ويفترض بأن تجمعكم أيديولوجية واحدة.

في المدرسة قد تكون مضطراً بصفتك معلماً للصبر على الطلاب الأقل قدرة على الفهم؛ لأن هذا عملك الذي تحصل على مقابل عليه، لكن ذلك لا يعني مطلقاً أن تعمم هذه النظرية على الناس كافة.

الحياة ليست مدرسة، هذه نظرية خاطئة، ولو قبلنا جدلاً بأنها كذلك فعليك أن تفهم أن المعلمين في الحياة لا يتقاضون أجراً ليجعلوك أكثر فهماً أو أكثر مهارة في التقاط الأفكار، وهم بالتالي لن يتحلَّوا بالصبر لحين تلحق بركب الأذكياء الذين سبقوك بالفهم.

لو أن شخصاً ما سيتبرع ليعلمك شيئاً ما، أو ليبرهن لك نظرية لم تفهمها فعليك أن تفهم جيداً أنه يحق له أن يخبرك بمنتهى الوضوح بأنك شخص بليد، فإن كنت تمتلك القدر الكافي من الجدية في الوصول لمرتبة أعلى في الفهم، ستعينك تك الجدية على تحمل بعض النقد اللاذع الذي سيوجهه لك ذلك المعلم، وحتى نكون منصفين فهو نقد صادق وفي محله ولم يوجه لك إلا لأنك تستحقه فعلاً.

الحياة ليست مدرسة والآخرون ليسوا مضطرين لانتظارك حتى تفيق من غيبوبة الجهل التي تغرق فيها بإرادتك، لدى الجميع ما يكفي من المسؤوليات والأعباء والهموم والأحلام ما يستنفد وقتهم كاملاً، فإن تبقى من ذلك الوقت الشيء اليسير فمن المؤكد أن هناك ألف طريقة وطريقة للاستمتاع بذلك الوقت، ليس من بينها محاولة الدخول في حوار مع أشخاص ليس لديهم قدرة على الاستيعاب السريع.

إن ما يحدث من غربلة للأفكار والقيم منذ حدوث ما يسمى بالربيع العربي، وما يحدث من صدامات فكرية وجدل وتراجعات عن بعض الأفكار من بعض النخب خلقت لدى الجميع حالة من الفوضى الفكرية، إن صح التعبير، فقدت الجموع الثقة في المرجعيات الدينية وفي النخب الفكرية بناء على مواقفهم السياسية أو الدينية؛ لذلك أصبحت المجتمعات تعيش هذا الشتات الفكري المريع الذي نعيشه اليوم، وهو وإن كان طبيعياً في حدوثه، لكن غير الطبيعي أن يتعاقب الربيع تلو الربيع ولم يزهر عقلك بعد بفهم ما يحدث من حولك.

فلو وجدت نفسك مرغماً أو مُختاراً في مواجهة فكرة أو منعطف هام تمر به الأمة، عليك أن تدرك بأن هناك خيارين أمامك لا ثالث لهما لتصبح طرفاً مفيداً، إما أن تعمل على تثقيف عقلك وزيادة لياقتك الفكرية بالبحث عن كل ما استغلق عليك فهمه بنفسك؛ ليكون لك رأي صحيح ومواكب لمن يعلوك مرتبة في العلم والفهم، أو أن تعترف لنفسك ببلادتك وتفعل ما يفعله البلداء عادة، أي تكف عن إقحام نفسك في قضايا فكرية أعلى من قدراتك ولا طاقة لك على استيعابها.

ليس من خيار ثالث متاح؛ لأن لا أحد حالياً لديه القدرة ولا الصبر على انتظارك لتقتنع أولاً بأنك لم تفهم، ثم بانتظارك ريثما تفهم، هذا إن تعبدنا لله بفضيلة التفاؤل وافترضنا بأنك ستفهم بشكل صحيح قبل أن تصيب من يحاورك بعدد لا بأس به من الجلطات.

الحياة ليست مدرسة وفهمك ليس مكافأة لأحد سواك، لذا عليك أن تتفهم نزق الآخرين حين تضطرهم لأن يلبسوا لباس المعلم الصبور، تلك مهمة شاقة وليست مسلية على الإطلاق، أن تضطر لشرح البديهيات أو أن تضطر للإسهاب لتوضيح الواضحات، فضلاً عن أن الحياة ليست مدرسة وأنت لست الطالب والآخر الذي يفوقك فهماً ليس معلمك الخصوصي لينتظر صرختك الأرخميدسية!