المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هاجر ياسين محمد Headshot

قنبلة موقوتة

تم النشر: تم التحديث:

عند سماع هذه الكلمات قد يتبادر إلى الذهن الكثير من الاحتمالات، فلربما عمل إرهابي قام، أو كان سيقوم به بعض الأشخاص - والذي أصبح شيئاً اعتيادياً في نشرات الأخبار - أو لربما هي مشكلة من المشكلات التي تعاني منها مجتمعاتنا العربية، مثل البطالة، والمشكلة السكانية وغيرها، أو قد يكون احتمالاً ثالثاً عند آخرين.

ولكن القنبلة التي أعنيها هنا في نظري هي الأعظمُ؛ لأنها قد تؤدي إلى الدمار المحقق.

في يوم من الأيام كنت أنتظر الترام كي أعود إلى البيت، وكان ذلك يوم 27 أو 28 رمضان السابق، فإذا بي أرى بضعة صبية مختلفة أعمارهم ما بين الثانية والخامسة عشرة كما أعتقد، كانوا يتشاجرون مع بعضهم البعض في شجار اعتادوه كطقس من حياتهم اليومية، ثم علا صوتهم بالسباب، لم يتأثر أحد من المنتظرين على محطة الترام بهم، وفضلوا أن يتجنبوهم، خاصة الفتيات.
أكملوا شجارهم، وكان منهم من يضع سيجارة في فمه، نعم في نهار رمضان، ومضوا سائرين على قضيب الترام، وفجأة انتبه لهم رجل قد اعتلى الشيب شعره واكتست ملامحه بالتجاعيد، بدأ يصرخ فيهم ويوبخهم أشد التوبيخ، بل إنه قد لطم وجه أحدهم، حسب ما أتذكر، متخيلاً أنه بهذا الأسلوب سوف يردعهم ويجعلهم صبية صالحين!

تدخل شاب أو أكثر؛ كي يمنعوا الرجل من الصبية منعاً للمشاكل، ابتعد الرجل عنهم، ولكن ظل على حالته من الغضب الشديد تجاه أفعال هؤلاء الصبية.

بكى أكبرهم.. رأيت ذلك الصبي الذي كان يرتدي ملابس متسخة وبالية، مثله مثل بقيتهم، بل إن البعض منهم كان يرتدي ملابس متقطعة تكشف عن أجزاء من جسده، سألت نفسي ما الذي أبكى الصبي؟ هل حقاً تأثر بقول الرجل؟ وهذا ما أستبعده، أم تحرك ما بقي منه من عزة النفس والكبرياء وهو يهان أمام الجميع؟

حين يفقد الإنسان عقله يصبح حيواناً لا ينتمي إلى بني البشر، وحين يفقد الطفل التربية يتحول إلى كائن لا يوصف بسبب بشاعته، وحين يتخلى المجتمع عن الاعتراف بفعل هذه الجريمة تجاه الطفل يصبح مجتمعاً جباناً.

لا تستطيع أن تلوم ذلك الطفل أو غيره عن هذا المصير المؤلم، لا تستطيع أن تتهم الطفل بشيء؛ لأنه فقط لا يملك من أمره أي شيء.

ويا للأسى حينما ترى رجلاً كبيراً يوبخ أحدهم كأنه بنصيحته أو تلقينه أو - قل ما تشاء - سيحدث تغييراً أو سيردع هذا الطفل أو غيره، بل على النقيض ستسمع أحدهم يقول "أصله عالم ماشي بالعكس لما كنا ماسكين السكاكين كانوا خايفين منا".

مشهد مخيف ومبكٍ على حال هؤلاء الذين في يوم أو يومين من أيام حياتهم سينتهي بهم المطاف إلى الموت أو السجن، أو أنهم سيكملون مسيرة أريدت لهم ويصبحون بلطجية أو تجار مخدرات.

وتمضي الأيام والشهور ويشاء الله أن أرى صبياً آخر من الذين يُرثى لهم الحال مع بعض الاختلاف، فهذا الصبي يجلس وحيداً منزوياً على جنب درج يصعد عليه المارة أثناء نزولهم إلى هذا النفق، لا يضيع وقته فيمد يده اليسرى للمارة ويده اليمنى يمسك بها فطيرة علها تقيم جسده البالي، لا ينظر إلى أعين المارة، يكتفي أن ينظر تجاههم كى يكسب قوت يومه.

يجلس كجنين فى بطن أمه، يخاف العالم من حوله، أو يحاول أن يتقي شره، ملابسه وبشرته قد صارت سوداء قاتمة كقطعة من الفحم جاهزة لإشعال النار بها وبمن حولها.

مرت بجانبه فتاة فأمسكت بطرف ملابسها حتى لا تلمسه وتكتسب قذارة من قذارته، وفعلت مثلما يفعل أغلب المارة، فقط تحاشته. إلا أن بعضاً منهم تحركت به بعض الشفقة، التي جعلته يضع فى يد الصبي ورقة مالية يحسب بذلك أنه يرضي ضميره أمام ربه عن مسؤوليته عن هذا الصبى.

وحتى عندما يضعون هذه الجنيهات فى يده لا يبالي ولا يكثر من ترديد الأدعية كباقي الشحاذين، إنما يلتقطها ثم يكمل أكله من فطيرته.

يذهب المتصدق بعيداً عنه ثم لا يلبث أن ينساه فى غمرة حياته، ثم يكمل طريقه ويلتقي بثانٍ وثالث من أمثال هذا الصبي بنفس حالته الرثة التط قد تزيد أو تنقص قليلاً، ولكن المأساة واحدة ومشتركة.

لا يسأل هذا المار كيف سيقضي الصبي يومه أو أين ينام أو إلى أين سيمضي؟ لن يأخذ كل ذلك من تفكيره شيئاً؛ لأنه لا يعنيه أمره.

ولكن الصبي لن يبقى صبياً أبد الدهر، سيكبر ويصبح شاباً، ويصبح الحمل أكبر وأصعب، وتصبح مطالب حياته أكثر تعقيداً.
فهل سيكتفي بفطيرة بيد والأخرى تشحذ أم سيؤول مستقبله إلى شيء آخر إن كان حقا لديه مستقبل!

هل سينتهي المطاف عند هذا الحال مع أطفال الشوارع باختلاف ظروفهم؟
بالطبع لا، فإنهم سيعيدون الكرة مع غيرهم، وتستمر هذه الحلقة المفرغة من التدمير الإنساني إلى أن يأتي ذلك الذي يحمل شعار إنسان، وينوي كسر هذا القيد والغل ويريح هؤلاء ويكتب لهم الفلاح والحياة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.