المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هاجر ياسين محمد Headshot

التهجير

تم النشر: تم التحديث:

أبتاه.. متى خرجنا من الدار؟ وكيف سكنا هذه الطرقات؟ ومنذ متى نزحنا أو هجّرنا في هذه المخيمات؟ هل منذ مولدي أم طفولتي أم صباي؟ كيف استحملنا يا أبي قيظ الفيافي وبرد الليالي؟ ومنذ متى لم تخبز لي أمي رغيفي؟

لا أريد أن أزيدك هماً يا أبي، فما زلت أمرح مع إخوتي وأقراني، نلعب بالحصى والرمال أو نأتي بما تبقى من قوارير المياه التي لم نعد نلقاها ونلعب بها مختلف الألعاب.

ما زلت أنصح أصحابي بأن يبتسموا ولا داعي للاكتئاب، نسيت أن أخبرك يا أبي عن لعبتنا المفضلة الركض، نعم نركض دائماً ونحاول أن نسبق بعضنا الآخر كي يحصل على حصتنا لهذا اليوم من ذلك الكشكِ البعيد الذي رأيتهم يكتبون عليه "منظمة الأمم المبعثرة" وشيئاً آخر لم أفهمه، سوف آخذك معي غداً كي تفهمني.

أبتِ احكِ لي، وأجب عن كل هذه التساؤلات، وأخبرني متى نعود؟ أم هل سنبقى هنا إلى آخر الأيام؟

***

ولدي العزيز.. صعبة هذه الحياة، ومن العسير أن تفهمها، وأن تدرك إلامَ سيئول المصير، لا تسأل متى خرجنا أو كيف سكنا وأقمنا أو كيف نزحنا؛ لأنني لا أريد أن أتذكر هذه الأيام، ولا أريدك أن تتألم لسماع هذه الكلمات، ولكن إذا شئتَ سأقص البعض، وأعذرني إن لم أخبرك عن الآخر.

يوم التهجير لم يكن ذلك اليوم الذي خرجنا فيه هائمين على وجوههنا، نجهل مقصدنا ومبتغانا، لم يكن ذلك اليوم، يوم التهجير بدأ منذ ما قالوا وأذاعوا: "هنا دخلنا كي نقضي على شبح أسود غير محدد المعالم، شيء مجرد لا يُوصف ولا نعرف أبعاده أو صفاته، فقط نعرف أنه يدعى الإرهاب، بدأوا يا ولدي في حشد من يتبعهم وينصت لكذبهم، أوهموهم بصدق الادعاء، وبدأوا في التفجير والقتل واستباحة كل المحرمات.
لا تسألني بوجهك الصغير: "وماذا فعلتم يا أبتِ؟! ألم تقاوموهم أم خدعتم كما خدع الآلاف؟ لم نخدع يا بني، ولكن لم يكن هناك أي سبيل، دعني من هذا اليوم، والشهر والعام".

هل تريد أن تعرف كيف آل الأمر إلى المخيم، دعني أقص الحكاية من البدء: صحينا ذات يوم على صوت المدافع والقنابل، ولكي أكون صادقاً لم نكن ننام حتى نصحو، ولكن اشتد هذا في يوم من الأيام، وبدأ قرب الفجر تعلو أصوات الصراخ وكل الجيران بدأوا في الهروب، وتركوا خلفهم ديارهم وأموالهم على أمل الرجوع.

* "وهل سترجعون يا أبتِ؟"،
- "لا أعلم يا ولدي".

لم أجد مفراً سوى أن أهرب مثلهم بك وأمك وإخوتك وأن نسلك أي طريق، فهي بلدنا على أي حال، وقد يتسع بنا المقام في أي مكان، ولكن المصيبة أنه ضاق بنا، ولم نجد أمامنا أي ملجأ سوى هذه الخيمة التي أقنعونا بأنها مؤقتة إلى أن يتم القضاء على الإرهاب، ومنذ ذلك اليوم ونحن ننتظر وننتظر هل حقاً سيتم القضاء عليه أو علينا في نهاية المطاف؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.