المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هاجر بكاكرية Headshot

نظرة نقدية لبرامج رمضان الدينية

تم النشر: تم التحديث:

منذ عقد تقريباً بدأت البرامج الدينية تلمس نوعاً من التطور التدريجي في الشكل والمضمون، فالجلسات التقليدية لديكور الأرابيسك العتيق، غادرنا كذلك نبرة الصوت الرنانة في الخطب والدروس التي أحياناً تفزع المتلقي أفلت تقريباً، وذلك لأن الفئة الشبابية اليوم باتت تملك من المعطيات ما يغنيها عن سماع التهديد والقول الغليظ، فوسائل التواصل اليوم أوجدت منافذ عديدة للهروب من نمطية الخطاب، ولذلك كان لا بد من التغيير ومجاراة مقتضيات العصر، فشباب العصر الحالي من غير زماننا، كما أظن؛ لأننا في السابق للأسف لم نكن نمحص ونبحث وننقب عن حقيقة ما تقوله هذه البرامج وشيوخها، المهم أن قول الشيخ دعم بقال الله وقال الرسول، إذن ففهمه وتفسيره حتماً صائب، ولا بد لنا من أن نتبعه، فمصادرنا البحثية كانت قليلة.

أما اليوم فالأمر اختلف تماماً، وأصبح أكثر رحابة وسعة، ويمكن للمشاهد أن يأتي بكم هائل من المعلومات في ظرف قياسي، ولذلك نجد البرامج الدينية في هذه الأيام تبدو أكثر إدراكاً للواقع، وتحاول أن تتزين وتتلون بما يجذب الشباب، كما أنها تجاري السرعة الهائلة لهذا العصر، فلا تمتد زمنياً إلا لدقائق، وتغير مستوى الصورة والديكور والحركة والانتقال على عكس ما كان سابقاً، فالداعية والشيخ لا يتحرك من مقعده وهو يلقي الخطب العصماء.

وبات هناك اعتماد على مقاطع تمثيلية وحوار بين الداعية والشباب، كما أن هناك استعانة بأصحاب التخصص في العلوم الحديثة، كعلم الطاقة وعلم النفس والتنمية البشرية والعلوم الطبيعية والفلكية وغيرها.

واعتمدت برامج اليوم ديكورات حية من الطبيعة مباشرة، واختيار مناطق جذابة ومبهرة الجمال، كما أن شكل اللباس تغير، وحدث تقارب مع ما يرتديه الشباب، وإن كان بصورة معدلة، وكثرت ألوان الملابس.. وردي وسماوي، التي كانت نادرة، إن لم نقل معدومة سابقاً.

وهناك تفاصيل أكثر إذا أردنا أن نوغل في مقارنة المفارقات التي طرأت على البرامج الدينية، فهذه الأخيرة اتبعت سنة المسلسلات الدرامية الحصرية في رمضان، فلم تعد تنتج إلا في رمضان تقريباً، وأصبحت لها تكاليف إنتاجية ضخمة، خاصة إذا كان للداعية قبول جماهيري على مواقع التواصل الاجتماعي، فلا بد لداعية اليوم أن يتواصل مع جمهوره قبل البث الحي للبرنامج وبعده للمناقشة وغيرها من تفاصيل الداعية النجم الذي لا بد له أيضاً أن يغير عدد أطقم معينة في الحلقة الواحدة، لمجاراة إحداثيات الزمان حسب ظنه.

البرامج الدينية لهذه السنة اعتمدت تيمة واحدة تقريباً، وهذه التيمة كانت قد لاقت رواجاً كبيراً في الأعوام الأخيرة، وهي تيمة الجمع بين الدين والعلم لتعزيز الأثر، وإعطاء كمية من البراهين العلمية لدعم القول، فنجد في هذا الإطار برامج مثل لحظة، والسديم، وفسيروا، ومحياي وإدارة العافية وأخرى غيرها.

ويعتبر برنامج ومحياي للدكتور وليد فتحي من أبرز البرامج المقدمة هذا العام؛ لتميزها العلمي، خاصة أنه صاحب مجال وليس بعيداً عنه، يستعين بآخرين، فحجته واعية، وليست نقلاً عن، ويحاول ربطها مع ما جاء به الدين، وتميز البرنامج يعود لسببين؛ أولهما المادة المقدمة مختصرة موجزة في غير إخلال مع ذلك هي مشحونة ومعبأة بكم معلومات هائل، السبب الثاني جودة الإخراج، وحسن اختيار المقاطع المصورة، وجودة الرسومات الممثلة للحجج الداعمة للقول، ويكتفي برنامج ومحياي بخمس عشرة حلقة لا تزيد مدة الحلقة عن 13 دقيقة، إن لم تكن أقل، بجهد بارع حقاً.

أما النوع الثاني من البرامج فهو يعتمد تيمة التنمية البشرية، وهو تخصص أصبح الكثير يعزفون على أوتاره، وكأنه باب الفتح الجديد الذي سيخلص الأمة من ضياعها، ولعله، لا ندري، المهم أن أغلب البرامج تحاول الاستعانة في ربط المعلومات الدينية بهذا المجال، وذلك لبث الأمل والتفكير الإيجابي، ومحاولة وضع صورة وردية إلى عالم الظلام الكالح، ولا بأس بذلك، إذا كان يحقق الرجاء منه، وفي الفترة الأخيرة اعتمدها مصطفى حسني بإطناب، وعمرو خالد وآخرون.

هناك نوع ثالث من البرامج هذا العام، وهي البرامج الدينية ذات البعد الأيديولوجي الواضح للأسف، التي تحاول ربط سيرة النبي ببعض حوادث اليوم السياسية، لا شك في أن ما جاء في سيرة النبي صحيح، ولكن لا نلوي عنق الحاضر؛ ليتمثل غصباً ما جاء في سيرته العطرة، وهو بعيد كل البعد، وذلك من خلال بث دائم لرسائل مبطنة، لكنها مفضوحة، ترتبط بالواقع السياسي لدول بعينها، خاصة إذا كان انتماء الداعية واضحاً ومعلناً، وهو نوع موجود بكثرة كل يغني فيه ليلاه التي يواليها.

وتبقى سواعد الإخاء من البرامج الراقية في فكرتها من خلال جمع شمل الدعاة والمفكرين، وإن كانت ليست كل الحلقات بنفس المستوى الجيد، خاصة هذا العام، ولكن مع ذلك نجد حلقات مميزة.


من أفضل البرامج هذا العام، التي للأسف الشديد دخلت ركب متطلبات العصر، وذلك في وقتها السريع، برنامج "ديناً قيماً" لمحمد خالد مع الشيخ عمر عبد الكافي، والشيخ محمد راتب النابلسي، اجتماع طيب، مواضيع في صميم الواقع المعاش، ولكنها تحتاج لوقت أطول للاستفادة أكثر من العالمين، فنحن نريد أمثال هؤلاء الدعاة الذين ما زالوا يمسكون ببعض نفحات عبق العصر القديم المميز، ومع ذلك تبقى الفائدة رغم قصر الوقت، ويبقى تفرد لغتنا العربية أخذاً على لسان المقدم محمد خالد التي تقريباً غابت في أغلب برامج، وحلت اللهجة المحلية بنسب أكبر، أما فيما يخص برنامج قمرة لأحمد الشقيري، برغم فكرته السينمائية فإنه لم يحقق قدرة برنامج خواطر من التأثير والنجاح، ويبقى التفرد من نصيب أحمد خيري العمري مع برنامج Anti إلحاد، ومناقشته هذا الموضوع الحساس، الذي انتشر في الفترة الأخيرة بسبب واقع الحال العربي، وهي كذلك أغلب برامج العمري مميزة الفكرة، وخارج الصندوق، كما هي كتاباته.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.