المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هاجر بكاكرية Headshot

هذا ما يحدث في الجامعة

تم النشر: تم التحديث:

مع نهاية الموسم الدراسي الجامعي أعدت ترتيب أوراق عدة كانت تذهلني في كل مرة، الفكرة ليست أنني أعيش عالماً طوباوياً مثالياً، وبالتالي يصدمني الواقع، الأمر أن الواقع لم يعد منطقياً، بل أصبح عفناً بما في الكلمة من معنى، وبلغ الأمر إلى أن أصبح أصحاب الضمائر والكفاءات والمبادئ مغيبين نهائياً بسببين؛ سبب اختياري للابتعاد عن الصدامات التي لن تؤتي أكلها، وصاحبها أكيد حاول وجرب من أجل فرض بعض وجهات نظره التي يراها منطقية أخلاقية، ويعيبها الآخرون ناعتين إياه بأنه إنسان يتطهر، أما السبب الثاني فقصري وتغييب إجباري برفض ومنع وعدم إعطائه فرصاً هي حقه، وبالتهديد مرات، خاصة إن وجدت له ثغرة أو ثغرتان عفا عليهما الزمن، وأراد الأوبة فسيكون الابتزاز ولا شك.

الأمر في الجامعات العربية بات لا يحتمل بأي حال من الأحوال، وتذيلنا قوائم الجامعات العربية وغيابنا عن القوائم نهائياً في أحيان أكثر ليس بسبب انخفاض المستوى التعليمي، والنقص الفادح في الثقافة والمعرفة، والرغبة العلمية فقط، السبب أكبر من هذا، ووراءه خلفيات ثقيلة، فما هذه النتائج إلا أسباب لمسببات من البديهي جداً أن تمنح هذه النتائج، وإلا انتفت حقائق الاستلزام والتكافؤ المنطقي الرياضي.

الوضع بعيداً عن المستوى العلمي، هو أن الجامعات ينخرها سوس الفساد، ولكن للأسف هذا السوس في حجم وسم أفعى، وأصبح اليوم وقحاً، ويبدي نفسه جهاراً نهاراً دون رادع أو خوف أو توجس، بالعكس بمفاخرة وتباهٍ في إطلاق الاستبداد، وإخضاع الجميع لقانون الغاب؛ إما أن تسير مع الركب، أو تقف هناك في ركن لا يراك أحد، فاختر أيهما تفضل، الأمر متروك لنوازع النفس حينذاك، وكل على ما شبَّ عليه.

من أبرز مسببات هذا العفن تغييب الحدود الفاصلة بين المسؤوليات، فللإدارة القدرة على التدخل في أبسط تفصيلات عمل الأستاذ من تقييم ومنهج، وتحديده بأطر لا بد أن يلتزمها، لا تمت بصلة للعلمية والبيداغوجيا، وكأننا في نظام الإقطاع القديم، إن لم يكن أسوأ، والمخالف يتعرض للاستفسارات والتقارير، ويتم وضعه في خانة اليكّ، كما يقال، كأن يعطى بعض مواد التدريس التي لا تملك ثقلاً في المعاملات والوحدات، وبالتالي قيم كما تشاء، وقل عن المستوى ما تشاء، لن يحدث فعلك أثراً، فما بالنا بقولك!

أيضا هناك محاولات دائمة للضغط على الأستاذ بوسائل مختلفة، أبرزها ضغط أصحاب المراكز المهمة، وبهذا كل شخص يملك قرابة أو عتبة عند هؤلاء يمكن أن يغير قرارات مجالس تأديبية بأكملها، وهنا يحدث الحيف، فيعاقب أصحاب التهمة الواحدة بمكيالين؛ أحدهما بريء، والآخر مقصيّ، وهذا المنطق البلطجي يظهر في البداية بثياب براقة، قبل الكشف عن أنيابه، وهو ديدن كثير من الناس اليوم في جامعاتنا للأسف، والوضع ليس مقتصراً على الإدارة ومصالحها ورغباتها وأمانيها في تحقيق النسب الوهمية للنجاح الفاشل الذي لا يولد إلا جهلاً يسهم في تدمير المجتمع بمعاول الشهادات الورقية الحائطية، وإن كان لها نصيب الأسد بفعل سحر الكرسي.

الفرد كذلك افتقد أخلاقيات كثيرة، أو حاول طمسها في ظل الواقع الضاغط؛ حيث غابت الأخلاق، أو بمعنى أصح غُيبت عن قصد، وقتل الضمير قتلاً حتى لا يئن ولا يصرخ، وعميت الأبصار حتى لا ترى الحقيقة، وصُمّت الآذان حتى لا تسمع الحق، فالعلاقات في الجامعة لم تعد علاقات علمية معرفية واضحة المعالم والحدود، فقد اختلط الحابل بالنابل، والعلاقات تجاوزت الحدود الأخلاقية بسبب العلاقات الفاضحة بين الأساتذة والطلبة التي أفقدت الأستاذ هيبته، والطالب المجد جهده؛ لأن سياسات العلاقات اليوم أصبحت تحت مسميات أخرى خادشة حريٌّ بالكل إدراكها.

كما أن طالب اليوم أصبح يستسهل العلم، خاصة أنه يرى نماذج سيئة من القدوات، فباتت وظيفته بدل تحصيل العلم التسوّل وسؤال الأساتذة إلحافاً نقطة وأحياناً يسأله نجاحاً كاملاً دون جهد مبذول، ويكون هذا بطيب القول والمدح والهدايا، بمعنى أصح الرشاوى، وإن أبى الأستاذ أو رفض غيّر القناع إلى التهديد المادي والمعنوي، وقد أصبح هناك مخابرات متخصصة للبحث عن الأساتذة وأحوالهم الاجتماعية والمادية، وأين تكمن مواطن ضعفهم، والأمر سيان للطرف الآخر، فهناك نماذج من الأساتذة يبحثون في فائدة عائلات الطلبة؛ ليروا أيهم يأتي بالنفع الأكبر، وأيهم يملك علاقات متينة في سلالته تسهل عليه أموراً حياتية خارج الجامعة، هذا جانب، أما الجانب الآخر فهناك في الآونة الأخيرة عدد كبير من الطلبة الموظفين يمارسون العمل والدراسة بالتوازي، هذه الفئة توزن بالميزان "حسي سلكك الوظيفي وأهميته تنال الرضا".

قلَّ الهواء النظيف الذي يتنفسه صاحب الضمير مع هذه النماذج، الهواء العفن سيطر وضرب بجذوره وأوغل ونسج وكون إمبراطوريات صعبة المراس؛ لذلك هناك من يطلق على أصحاب اليد في الجامعة الديناصورات، فإما أن تتخذ سبيلهم أو تحجب عن كل المحافل العلمية والمشاركات الإدارية، وعن المناصب ذات المدخول المادي، فهي حصراً للقرناء، كذلك لا بد أن نشير إلى تفعيل الغش عنوة عند أصحاب الضمير، بوضع عدد لا متناهٍ من الطلبة في مكان ضيق، مع عدد ضئيل من الأساتذة، بعضهم قلبه حي، والبعض الآخر نيء، والأغلب مؤازر للسبيل العفن، صاحب الضمير أستاذاً كان أو طالباً، أصبح في حالة غبن وحيف شديد، أبسط حقوقه لا يحصلها.

ولذا ندعو إلى ضرورة هيكلة أخلاق الفرد العربي قبل فوات الأوان، وأظنه فات، ولكن هي محاولة أخيرة لتغيير ما بأنفسنا، عل الله يغير حالنا، وسؤالي: أما زال قعر وقاع للأمة العربية أكثر من هذا؟ أشير في الختام إلى أن هذا بعض من فيض ما يحدث فقط، الوضع أسوأ، خاصة لمن يعايشه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.