المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هادي عبدالهادي عجلة Headshot

خذلان العرب لأنفسهم: داعشيتنا فى موطننا

تم النشر: تم التحديث:

قبل أكثر من أسبوع ضجت وسائل التواصل الإجتماعي بخبر تغيير اسم مدرسة فلسطينية في مدينة رفح من "مدرسة غسان كنفاني" الى اسم آخر. غسان كنفاني، القيادي والأديب المثقف الفلسطيني الذي أثرت كتاباته في الأدب الفلسطيني الحديث وكانت صوتًا للفلسطنيين في كل مكان. وقبل أسابيع صُعقت بخبر وصور اعدام الأستاذ خالد الأسعد، عالم الاثار السوري ومدير مدينة تدمر السورية. خالد الأسعد كرّس حياته لحماية الأثار واكتشافها وتطوير السياحة في العالم العربي، كان رمزًا من رموز الأثار العربية وعنوان المنظمات الدولية في هذا المجال، وفور ورود الخبر أعلن وزير الثقافة الإيطالي داريو فرانشيسكيني بناءًا على مقترح عمدة تورينو الايطالية تنكيس الاعلام في المتاحف الايطالية بما فيها أعلام الدولة الرسمية. وفي حين أدانت كافة المؤسسات الدولية المعنية بالثقافة (اليونسكو والايكروم والايكوموس) العمل الأجرامي لداعش، لم أجد أي ادانة عربية رسمية أو غير رسمية لمقتل أو مجرد التذكير بمناقب هذا العالِم المعروف على مستوى العالم وليس على مستوى العرب. تعجبت أن اسمه لم يكن معروفًا وربما أشك أن الكثير من العرب لم يسمعوا بمدينة تدمر إلا مؤخرًا او ربما لم يسمعوا بها بعد. في ذات السياق لم تكن الجماهير العربية في يوم من الأيام معنية بعلمائها وشعرائها ومثقفيها ومُنظريها الكبار والعالميين. إن الشارع العربي والدول العربية مشاركة لتيار داعش حيث كان خبر وفاته عابرًا في قنوات الاخبار.
مقتل خالد الأسعد وتغيير اسم مدرسة غسان كنفاني لاسم آخر، وربما هناك أحداث أخرى لم نسمع بها بعد ما هو الا إشعار رمزي للخطر الذي يحدق بالعلماء في كافة المجالات والفروع وتهديد لحياتهم. ما نستنتجه من ذلك هو التأكيد على طمس وتجهيل العرب بعلمائهم وطمس الإنتاج العلمي والبحثي والأدبي للعربي الذي يساعد في عملية الاثراء المعرفي.
ففي العالم المتحضر والمتقدم، تكاد الناس لا تعرف السياسيين ولا أسماءهم ولكن يعرفون أسماء الشعراء والكُتاب والمثقفين والعلماء والأطباء الذين أضافوا للانسانية والبشرية الكثير من الاختراعات والانجازات، في حين أن العالم العربي يعرف أسماء السياسيين أكثر من أسماء العلماء والمخترعين والمثقفين، وحتى ان وجد مثقف وعالم واعد، فيتم مهاجمته في شخصه اما باتهامه بالعمالة مع أمريكا أو اسرائيل أو حتى الانتماء لحزب سياسي معارض أو مشكوك في أمره. فمفهوم الحُجة بالحُجة قد غاب بين المثقفين والعلماء أنفسهم، وزاد تسفيه بعضهم البعض لعدم اكتراث المواطن العادي بأمر الثقافة والعلم وأصبح الحديث عن السياسة تجارة أكثر ربحًا في سوق الكلام.

كل يوم نرى وسائل التواصل الاجتماعي تعج بأسماء علماء عرب يعملون في الغرب وكأن هذا شيئًا غريب. فذلك يعمل في ناسا وهذا يعمل في جامعة عريقة وآخر طبيبًا يطور جهازًا ما. ولكن تلك الصور لاتدل على أن العرب مبدعين أو أن هناك الكثير من العرب الذين لديهم القدرة على الإبداع ولكن أكثر وأعمق دليلًا على أن العرب يحاولون مواساة أنفسهم وسط حضارات متقدمة في الغرب والشرق بوجود بعض الأسماء اللامعة والتي قدمت انجازات كبيرة للبشرية. الغرب يشجع هؤلاء، واذا ما نظرنا الى خلفية هؤلاء العلماء والمثقفين والباحثين لوجدنا انهم اما هاجروا من بلدانهم نظرًا لعدم توفر الفرص لديهم، أو لملاحقة اجهزة الدولة لهم لسبب او لآخر وهو مرتبط دائمًا بتوجهاتهم السياسية، وسبب آخر هو الطموح العالي الذي يتبناه هؤلاء العلماء وهو غير متوفر وان توفرت الامكانيات فهي لطبقة معينة من أبناء السياسيين والاقتصاديين والذين نادرًا ما نجد المتألقين منهم في الحقول العلمية نظرًا لاعتمادهم على غيرهم، كما هو رائج الآن في أمريكا وبريطانيا وحتى العالم العربي، حيث يدفع الأثرياء لكتابة أوراقهم البحثية لمكاتب خاصة. ماذا نتوقع من عالم عربي ما زال يحتفل بتعبيد شارع أو بناء مدرسة كانجاز وطني في حين يحتفل العالم بوصول مركبات الفضاء الى ملايين السنوات الضوئية.

ومن هنا تبدأ رحلة التطرف عند الشباب العربي، في ظل غياب الفرص والاضطهاد السياسي وغياب القدوة العربية كالعلماء والفلاسفة والمثقفين، يبدأ الشاب في البحث عن بديل لذلك، ولا يجد إلا الدين للتشبث بحضارة وانجازات الماضي من فتوحات وما ارتبط فيها من عنف ضد الغير وتطور علمي مرتبط بفترة زمنية معينة. فبدل أان يتجه الشاب الى العلم والانفتاح والتطور يعود الى الوراء والبحث عن العلاقة الشائكة بين الدين والدولة والعلم، وهو ما يستنزف العقل الشاب ويجعل تفكيره ينحصر في أمور دينية صعبة، وفي ظل تلك البيئة العلائقية، يتجه الشاب بعد فقدانه المعركة بسبب التجاذبات والصراعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تحيط به. فمع غياب الاستراتيجيات الوطنية للابداع والتحفيز على الاختراعات والتطوير العلمي منذ الصغر، ينشأ الطفل في بيئة مرتبطة أكثر بالدين والتعاليم الدينية، مما يخلق لديه اهتمام أكثر على أداء فرائض دينية دون تعمق في أخلاقيات الدين التي تدعو للحوار والتعلم والقراءة والدراسة والبحث فيتعلق الانسان بالتاريخ الإسلامي أكثر من التعلق بما يدعو اليه الاسلام. فيحفظ أسماء وقصص القتال والمعارك والغزوات والجواري والنساء والملوك فيما لا يتذكر من القرآن ما يدعو الى القراءة والعلم. وفي البيئة المحيطة به نرى أسماء الشوارع والمدارس والمعالم بأسماء قادة الغزاوت والصحابة الاجلّاء ونادرًا ما نسمع بإسم مدرسة عالم من علماء وأطباء وباحثين وغيرهم. لماذا ترتبط معالمنا بالقتال والعنف والصراع ولا ترتبط بالعلماء والمثقفين والمبدعين؟ هنا لا أدعو لمحو الدين الاسلامي وتاريخه ولكن أدعو للاتجاه نحو الوسطية وتحفيز الأجيال الجديدة على العلم والعلماء وزرع محبتهم والمعرفة عنهم منذ الصغر وفي البيئة المحيطة بهم.
لا يزال العرب متمسكين بالحضاره القديمة وما قدمته للعالم مما جعلهم يعيشون الماضي لدرجة نسيان الحاضر. وبالتأكيد ان الحضارة العربية لم تستمر وانما توقفت عند درجة وتقدم الغرب وأصبح العرب يعيشون في العصور الوسطى وتبادلنا الدور مع الغرب الذي أصبح متطورًا وحقق قفزات كبيرة في كافة المجالات. هذا التطور يجعل العربي يصاب بالاحباط في حاضره ومستقبله بالاضافة الى عدم الثقة بأي منتوجات علمية عربية.

هذه هي المعادلة التي ستهدم الأمة العربية وان استمرت فداعشية اليوم تعتمد بشكل كبير على تحييد العلماء والعلم بأي شكل من الأشكال. بالتأكيد هناك تغيب مسيّسٌ للعلماء العرب المعاصرين وعدم ذكرهم وتدريس نتاجاتهم العلمية واعطائهم حقهم واتاحة المجالات والفرص لهم ليقوموا بأبحاثهم وانتاجاتهم العلمية في العالم العربي مما يضطرهم للهجرة والعيش في الغرب لتتبنى الدولة التي يختارون العيش فيها جميع انتاجاتهم وبالتالي تخرج للعالم بأنها انتاج علمي غربي.

لن تتقدم الأمة العربية وتتخلص من سرطان داعش وأمثاله إلا عندما يعرف الشباب أسماء المبدعين والعلماء العرب في كافة المجالات أكثر من أسماء السياسيين. المعادلة بسيطة جدًا؛ التقدم ليس عماده الدين فقط وانما العلم في ضوء فهمنا للدين، والبحث الذي يدفع بالشعوب لايجاد القواسم المشتركة بينها لتطوير الانتاج والاقتصاد والحياة وليس الدين الاسلامي بطبيعته الحالية عند البعض الذين خطفوه ليصبح عالة على الأمة وتقدمها بسبب ظروف اجتماعية وسياسية. علينا أن نشجّع العلماء والعلم والانجازات للشباب في بلادنا وأن نعاملهم معاملة مقدسة لأنهم عماد الأمم ومركز التطور والتقدم. ولذلك نحن بحاجة الى استراتيجية معقدة جدًا لمكافحة التطرف ترّكز على التحفيز على العلم والبحث العلمي وتبجيل العلماء وأخرى تركز على الأديان وكيفية تنمية تقبل الآخر من خلال الدين وليس العلم فقط وهو ما تحتاج اليه الأمتين العربية والاسلامية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.