المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هادي عبدالهادي عجلة Headshot

الملجأ الأخير للهبات العربية؟

تم النشر: تم التحديث:

كانت الهبات التي اجتاحت العالم العربي -مصر وتونس على وجه الخصوص- إحدی معطيات التفاؤل للتغيير فى العالم العربي. لم تكن تلك الثورات مجرد هبات زمنية نتيجة حدث ما، وإنما تراكمات لسنوات طويلة من الظلم والقهر والديكتاتورية والبطالة وتضاؤل الفرص فى التغيير والإصلاح الاجتماعي والسياسي في العالم العربي بشكل كامل وليس في حدود دول الربيع العربي/الهبات الجماهيرية. وأحد أهم أسباب تلك الهبات غياب حرية التعبير وما نتج عنها من غياب المجال العام.

ومثلت الهبات الجماهيرية تحولًا كبيرًا لصالح خلق "مجال عام" وهو ما يعني الحد من قدرة الدولة أو النظام على معالجة المعلومات وإعادة تغذيتها للمجتمع بما يخدم مصالحه، كما يسمح هذا المجال بحرية الرأي والرأي الآخر، وينتج عنه صفقات ومنتوجات فكرية قادرة على خلق تأثير على الرأي العام دون خوف من النتائج المترتبة على ذلك.

هبات العالم العربي بدأت بشكل قوي وفي مسارها الصحيح فى إنشاء تلك المساحة والمجال لمناقشة القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية الشائكة بغض النظر عن النتائج أو ما حدث فى تلك الهبات؛ ولكن سرعان ما أصبحت تلك المساحة عبئًا على المجتمع بثوراته وهباته. هذا العبء بدأ عندما فشل المنادون بالديمقراطية واحترام الرأي الآخر في التشبث بمبادئهم التى أوجعوا رؤوسنا بها على مدار العقود الماضية. إذ عملوا على تحقير أصحاب الرأي الآخر وتسفيههم بحجج الرجعية وعدم ملاءمة تلك الآراء مع المطالب الجماهيرية أو لأسباب حزبية أو مطلبية أخرى. هذه الأسباب غير المبررة بأي شكل من الأشكال أوقعت المجال العام في شِراكه وأصبح هذا المجال مساحةً للنقد السلبي وتأطير وتحشيد الشباب والمثقفين والفنانين والرسامين ضد الأطراف أو الأيدولوجيات الأخرى، فأصبح ليس فقط عالة وإنما معول هدم لا يمكن التحكم فيه بسهولة نظرًا لارتباطه بشكل كبير بوسائل التواصل الاجتماعي غير المحكومة بأي نظام رقابة ذاتي أو غير ذاتي.

وفي الأغلب يكون الأكاديميون والمثقفون أهم ركائز المجال العام، ولكن في الحالة العربية أصبح الأكاديمي والمثقف والفنان جزءًا من الحالة العامة والتجاذبات السياسية، وهنا لا أعني التجاذبات السياسية الصحية التي تفرض نفسها فى إطار الحوار للخروج من مأزق السياسة والتحريض، ولكن التجاذبات التي تشمل المثقف كجزء من طرف ما ومُحرض على الأطراف الأخرى. ومكمن الخطر هنا وجود سهولة كبيرة فى خلق أشباه مثقفين أو ناشطين من خلال مواقع التواصل الاجتماعي وخصوصًا من خلال إعلانات ممولة أو عبر شاشات فضائية حزبية، ما يدفع المواطن للخلط بين المثقف الحقيقي والغير حقيقى والناشط المصنوع ماليًّا أو فيسبوكيًّا والناشط الثوري الحقيقى. ولا يمكن إنكار وجود ثوريين حقيقيين وأكاديميين يعانون من العمى الفكري والتعصب الحزبي؛ ما يعطى شرعية لعمليات التحريض وعدم قبول الرأي الآخر بحجج واهية أو تحريضية ويسوقها للمواطن كأنها حقائق مسلمٌ بها. فالمقياس الحقيقي للمثقف هو انتقاده للجميع، فهو عبارة عن رشاش في قلم بذخيرة لا تنضب ويطلق الرصاص الكتاب والكلامي على كل شيء يتحرك، ناقدًا لمصحلة المجتمع ضد النظام وضد السياسيين وضد المجتمع وضد الأحزاب. أي مثقف أو أكاديمي أو فنان يحابي النظام أو حزب ما بعصبية عمياء تنتفي عنه صفة المثقف او الفنان ويبقى عضوًا في جماعته وليس شخصًا من أجل المجتمع.

وبدلًا من استخدام الأكاديميين والمثقفين العرب هذا المجال العام للتنظير الأكاديمي والثقافي والإنتاج العلمي -نتيجة لغزارة المعلومات وسهولة الوصول إليها- استخدموها من أجل أهداف حزبية ضيقة في أغلب الأحيان؛ وهو ما نتج عنه شرخ أعمق بين المتحزبين وفي المجتمع ذاته. كما لا يقتصر ذلك على المجتمع العربي بل والتواصل مع المجتمع الغربي. فالمجال العام ووجود أدوات التواصل الاجتماعي، فتح مجالًا عامًّا آخر، وهو المجال العام بين العرب والغرب، فأصبح الحوار مفتوحًا للتواصل والتفاعل والتأثير في الغرب وفي توجيه الخطاب الأكاديمي والثقافي وهو ما لم يستخدمه المثقف والأكاديمي العربي بشكل كبير أو فعّال وبأعداد تتناسب مع عددهم فى الدول العربية.

وعلى ما يبدو أننا بحاجة إلى ثورات فكرية واجتماعية قبل الحديث عن ثورات سياسية لتغيير أنظمة بكاملها. بدون ذلك التغيير يمكن من خلال بضعة الآلاف أو مئات الأفراد قلب الثورة إلى ثورة مضادة من خلال خلط الأوراق في المجال العام والتأثير بشكل كبير، من خلال الأدوات الإعلامية المتطورة والسريعة على الملايين من المواطنين. فيبيت المواطن كافرًا بفكرة ويُصبح مناديًا بها أو ينام مؤمنًا بفكرة ويصبح كافرًا بها. كل ذلك يدعونا للتفكير العميق، ماذا نريد؟ هل نريد تغيير سياسي أم اجتماعي؟ إذا ما أردنا التغيير السياسي، فأساس ذلك هو التغيير الاجتماعي والثقافي الذي ينبع من خلالهما إطار التغيير والتجديد المستمر للأنظمة بديمقراطية عالية وما يرافقها من تنمية اقتصادية وأخرى اجتماعية.

إن ما يمر به الوطن العربي ليست عملية مخاض طويلة الأمد لنتائج ما سُمى بالربيع العربى وإنما عمليًّا يعني انتهاءه في أسوأ صورة له. من قام بالربيع العربي هم من قتلوه ومن نادى بالتغيير واحترام الرأي الآخر هو من أفسد للود قضية وحاول تغيير آراء الآخرين. حديقة الورود إن لم يكن بها العديد من الأنواع لن تكن حديقة، بل مزرعة للون واحد وهو ما لا نريده. نريد وطنًا عربيًّا بكافة الألوان والأطياف.

وأيضًا نحتاج اليوم لثقافة الجدل والتجادل والمحاججة مع تقبل الرأي الآخر وأصحابها وأيدولوجياتها. الهبات الجماهيرية أو فشلت في تحقيق تحول ديمقراطي في وقت قصير وساهم الأكاديميون والمثقفون والثوار فى فشله بنفي الرأي الآخر وتسفيهه. لم يبقَ في جعبتنا الآن في ظل التشابك والتأطير والتحريض الذي أنهك جيل الثوار وجيل الشباب إلا البحث عن إيجاد مجال عام واضح يزرع ثقافة القبول والبحث عن العوامل المشتركة التي تجمع ولا تفرق. البديل عن ذلك هو استمرار الحوار العقيم والاتهامات ونتائجه كما هو معروف، إن لم يكن التطرف لدى الشباب نتيجة لعدم قناعتهم في الحوار الدائر أو استمرار وصاية الأنظمة على المجال العام والسيطرة عليه وبالتالى استمراية الديكتاتوريات بأشكال متعددة.