المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هديل بسام  Headshot

كن التغيير الذي تريد أن تراه بالعالم

تم النشر: تم التحديث:

قصتي تشبه الكثير من القصص، قد كنت كأي خريج جديد أمضى أربع سنوات على مقاعد الدراسة، شعر بشغفٍ شديد اتجاه التخصص الذي درسه، واجتهد ليحصل على علاماتٍ جيدة تمنحه الفخر والرضا.
أذكر جيداً كم كنت متشوقة ليوم التخرج، اليوم الذي يُكلَّلُ فيه نجاحي وأخطو من بعده خطواتي الأولى نحو حياةٍ جديدة، كنتُ أشتعلُ حماساً للعمل وتطبيق كل ما قد تعلمته فوق طاولات المختبر وبين صفحات الكتب.

أذكر في بعض جلساتي مع زميلاتي من التخصص، قد كنا نُردد بفخر واعتزاز ما تهافت على مسامعنا من أفواه المحاضرين مراراً وتكراراً عن ماهية كوننا الثورة البيوتكنولوجية القادمة، كيف أننا سَنخدم العالم بابتكاراتنا المختلفة في شتى ميادين الحياة، وانضممنا لصفوف الحالمين وكنا أول المصطفين بها.. يالسذاجتنا! أتعلمونَ لماذا؟
لأننا لم نستطع حينها ملاحظة كوننا لسنا إلا فوجاً آخر يُضاف إلى صفوف العاطلين عن العمل بهذا المجال بدائي النمو في الوطن العربي بشكل عام. وأنَّ ما اخترناه من تخصصٍ لم يُستَحدَثْ إلا لأهدافٍ مادية بحته تقتات على أوهام التقدم العلمي والتكنولوجي وآمال الخريجين بمستقبل مشرق..
تخرجتُ.. وبدأتُ مشواري لإيجاد عملٍ يُلبي طموحاتي ويحقق الأحلام الراكدة بين ثنايا الكتب، وكأي خريج رحت أتابع الجرائد والإنترنت وأذهب هنا وهناك، وأقدم سيرتي الذاتية المتواضعة على أمل أنَّ هنالِكَ من سيتصل بي لمقابلةٍ قد تكونُ مفتاحاً لبابِ وظيفتي التي أريد، واستمر هذا الحال لأربع سنوات..

الكثير ممن شاركوني مقاعد الدراسة بعد بحثٍ مُضن عن الوظيفة قد سلكوا طرقاً عديدة.. فبعض الفتيات اخترن الزواج وأصبحن أمهات، والبعض الآخر قرر إلقاءَ تلكَ السنين وراء ظهورهن وأُجبرن حينها للعمل بمجالات أخرى تحت مظلة البطالة المقنعة.
وهكذا في أحيانٍ كثيرة عندما كنا نتكلم على الهاتف أو نلتقي كانت تنهال بين أحاديثنا تعابير الندم على خسارة تلك السنين في دراسة تخصص لم يثمر حتى عملاً..

أمّاَ أنا قد سلكتُ طريقاً آخرَ لا أدري إنْ كان بإدراكي أو بتخطيط إلهي! فلم أرد الاستسلام للواقع، ولم يكن بالأمر السهل حيثُ كان الصبر وعزيمتي حليفَيْ دَربي، ولن أنكر أنني في كثير من اللحظات كنت فريسةً للإحباط واليأس، فكم بكيت، وضعفت، وتعبتُ لدرجة أنني قد فكرت مليًّا بأن أتبع خطوات من سبقني من صديقاتي بأن أختار الزواج وبناء عائلةٍ وظيفةً لي.

لكنني خلال تلك الفترة قررتُ أن أفعل شيئاً ولو بسيطاً لأثريَ سيرتي الذاتية، حيثُ سجلت لبعض الدورات التدريبية التي في أغلب الأحيان هدفها مادي بحت لا تخدم المتدرب، وإنما تبيعه آمالا كاذبة، وعملت أيضاً بوظائف بعيدة عن مجالي بالرغم أن الأمر لم يَرقْ لي إذ كانَت تجاربي فيها ليست بذكرى جميلة..
لكن وبعد طول انتظار قد شاء الله أن يتوجَ صبري خيراً، فرزقت بفرصة للعمل بمركز جديد النشأة، واعد، يختص بأبحاث علاجية في مجال الخلايا الجذعية. وفي نفس الوقت كنت قد قررت أن أكمل دراسة الماجستير كي أثري معلوماتي ومهاراتي العملية وأتطور بهذا المجال أكثر فأكثر.
أذكر دوماً أنني كنت أصف نفسي بالحالمة، ربما كنت كذلك ولربما ببساطة أواجه الواقع قدر استطاعتي كي لا أواجه نفسي في يوم من الأيام بسؤالها.. ماذا لو؟!

حين قررت أن أكمل الماجستير كنت أطمح أن أدرس خارجاً، حيثُ أريد تعليماً أفضل، وإلى جانب ذلك أردتُ أن أعيش تجربة جديدة تغذي عقلي ومهاراتي الاجتماعية، لكن أبي، أظن أنه كمعظم الآباء الشرقيين، خشيَ على ابنته من كلمة غربة أو سفر للخارج وحيدة بلا رفيق أو سند، كنت أعلم يقينا أن فرصة تعليمي في الخارج تكاد تكون مستحيلة بالنسبة له، لكنَّ فكرة أنني لا أريد أن أكون سجينة "ماذا لو؟" في حياتي، قد دفعتني لأخطو هذه الخطوة و(لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً)، فبدأت أقدم لمنحٍ عديدة ولم تكن هذه العملية بسهلة ولأكون صادقة، بعد عدة طلبات تلبَّسني اليأس مجدداً وظننت بأنه لن يُقبل لي طلبٌ، فاتخذتُ قراراً أن أكمل الدراسة ببلدي وشرعت بالأمر حتى كانت المفاجأة، بل أجمل مفاجأة، قد قُبلت بإحدى المنح لأدرس خارجاً، ولن أستطيع أن أصف لكم مقدار دهشتي وفرحتي لذلك الأمر بعد أربعة سنين من اللاشيء أنعم الله علي بعمل ودراسة..

لقد شاركتكم قصتي، لكي أقول لكم إننا في هذه الحياة قد نواجه مطبات عديدة لتثنينا عن أهدافنا، لكن برأيي الشخصي وبعد تجربتي، فإن الإنسان الطموح بالذات مكتوب له أن يواجه تلكَ المطبات أكثر من غيره، بطبيعة تفكيره وأحلامه وتوجهاته التي لا تتفق وواقعنا للأسف. إن كان قلبك يتقد شغفاً لشيء ما، فلا تستلم بسهوله ولا تيأس أبداً وحاول مراراً، وكلما صفعتك رياح الحياة بقوة.. ارفع أشرعةَ العزيمة والإصرار وقف مجدداً..
اصبر واجعل الإيمان يضيء قلبك بأن ما تريده سيحصل بإذن الله.
لا تيأس وكن التغيير الذي تريد أن تراه في العالم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.