المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هديل عواد  Headshot

حوار مع عقلانيّ عن الاكتئاب

تم النشر: تم التحديث:

كان جريئاً بما فيه الكفاية حتى يبتسم ساخراً عندما وصل بنا النقاش إلى كلمة اكتئاب، ادّعى حينها المعرفة ومن ثم أفتى بأن الأدوية عبارة عن كيمياوي وشككت أنه سمع كلمة سرطان بدل اكتئاب ومن بعدها رفع المصحف وقال لا يكتئب مسلم. أي أن أي شخص يقصد طبيباً نفسياً هو شخص لا يجيد الحق في أن يكون مسلماً وخان الأمانة وتسبب بشماتة الأعداء.

مرة أخرى أقولها، الاكتئاب يختلف عن الحالات المزاجية التي تدعى كآبة والتي يصاحبها حزن وتشاؤم. الاكتئاب هو شيء يلازمك كل الوقت، تنام فلا تهنأ بنومك، تأكل فلا تشعر بمذاق غير مذاق الحيادية داخلك وتصحو كل يوم وأنت حزين بكمية التعب الذي ستبذله كي تعيش اليوم مجبوراً أيضاً. و لمَ يحدث ذاك؟ لا أدري، حاله كحال كل شيء في الطب، لا نعرف عنه الكثير ولكن نعي أن هناك اختلالاً في توازن المواد الناقلة في الدماغ، ولهذا إصابة الإنسان به لا تتعارض مع دينه، فارتفاع ضغط الدم ينتج عن اختلال مشابه، ومرض السكري ناتج عن نقص بصنع الإنسولين أو استجابة الجسم له، لذا قبل أن تخبرني برأيك، كن على دراية لما تقول وإن أصررت فأخبر مريض الضغط والسكري بأنه عن جادة الصواب قد حاد. وبالنسبة لحقيقة أن الاكتئاب قد يستثيره أو يزيد خطر الإصابة به عوامل محيطة، فالأمر يسري على كل شيء وخذ السمنة مثلاً كعامل يزيد خطر الإصابة بمرضي العصر: ارتفاع الضغط والسكري.

سيحاول آخر أن يضربني على العصب الحساس ويدّعي أنه وسيلة هروب من المسؤوليات وشمّاعة يعلق عليها الضعفاء أسباب تخاذلهم. أولاً عليك أن تعي ما الذي يعنيه الاكتئاب كمصطلح علمي وهو الذي لا يعلمه إلا قلة والاكتئاب كمرض والذي لا يعرف أعراضه إلا من عاش معه. هو لا يعني أنك تمشي في الطرقات وتأخذ تعكر مزاجك حجة بأن لا تؤتي كل ذي حق حقه ولكن أن تضغط على نفسك، تفترض أن الكل على حق، أنّك مدين للكل وأنك لا حق لك. تواصل "المسايرة" طويلاً حتى تنفجر، فتشعر بتأنيب الضمير وقلة حقك بالمطالبة بحقوقك فتعيد الكرة مرة أخرى وهكذا دواليك. وممّا تقدم أعتقد أنك أدركت أنها وسيلة تعذيب وأنت حاضر، وليس هروباً البتة.

ننتقل إلى نقطتك الجوهرية وهي أنّ الاكتئاب للضعفاء. أولاً، الضعيف هو من لا يفعل شيئاً أو يفعل وهو يحصد النتائج سريعاً وفي الوقت العاجل. وحتى لا أنسى، فالضعيف هو من يجعل غيره يتلقى الضربة عنه ويؤثر راحته على غيره. وإن حدثت أي شخص قد ابتلاه الله بهذا فستعلم بأنه قد اهتم بأمر أكثر من المفترض، حمل همّ غيره كثيراً، توالت عليه ضربات أشعرته بالعجز حتى هلك. وجوهر القوة يظهر عندما تأكل و أنت لا تشعر بالطعم، تنام دون أن تحصد راحة، تضحك مع من حولك دون أن تعنيها، تواصل نمطك اليومي وأنت لا تشعر بأي قيمة لذلك، وتنتظر المستقبل وأنت تكرهه، أخبرني عن قوة أكثر من ذلك. الكل يُبتلى، لم نختلف ولكنه ابتلاء على مدى الساعة، قد ينام الموجوع فيحصد راحة وينام صاحبنا فيكره تعبه وهو نائم.

حتى لا يظن البعض أن شركات الأدوية قد استخدمتني كي أروج لمنتجاتها، فأنا ضد الأدوية لكي تستخدم كحل مبدئي. نعم الدراسات تقول إن عليهم أن يبدأوا علاجاً ليعطي تأثيراً سريعاً خوفاً من انتحار الشخص. أعتقد أن هذا يسري على من لا يعرف الله، وهنا جوهر الاختلاف مع المسلم يظهر. المؤمن يبقى متمسكاً برب العباد حتى آخر نفس، يعلم أنه ابتلاء وهو صابر وسعيه للراحة سيحقق مفهوم الأخذ بالأسباب. أعتقد أني قد وضعتك في حيرة من الأمر قارئي، لا، الأمر ليس كذلك ولكني أؤيد جلسات العلاج النفسي أكثر، وليس فيها إشراك ولا يتعارض مع الشكوى لله ولكن الله خلقنا شعوباً لنتعايش والبعض درس كثيراً حتى يعرف كيف يتعايش مع مريض الاكتئاب، فلا تكره ما لا تعلم من منطلق من جهل الشيء بغضه. وإن كنت محتاراً عن كيفية مساعدة ذلك للكائن البشري، فسأخبرك أغمض عينيك وتخيل أن هناك ستاراً حامياً لك قد أزيح على حين غرة، فتوالت عليك جيوش أطاحتك على الأرض وبت لا تقوى على القيام، وكل ما أنت بحاجة لفعله هو من ينتشلك، يمد لك يداً أو من يعطيك سلاحاً لتحارب به أو درعاً لتحتمي من عدوك. وقس على ذلك كيف من الممكن أن يتحقق نفع الجلسات في حمايتك من أفكارك.

البعض عندما يقرأ مقالي قد يعتقد أن الكلام ينطبق عليه، صدقني لو كنت مبتلىً لن تكون قد شعرت بشيء منذ سنين، ولا تأخذ كلامي مبرراً حتى تجعل كل الناس مكتئبين، ولا تحاول أن تتقمص الدور فهو من الأمور التي لا تقوى على تحمّلها النفوس. تذكر أنك مؤمن، اسأل الله العافية، لا تهتم بأمر أكثر مما ينبغي، كن قوياً لأجلك وعش اليوم لوجه الله حتى ما إن خيّبك بشر وجدت من تلتجئ إليه. وبالنسبة لمن أعلم أنه يعاني سلفاً فكل جوارحي معك وتدعو لك وتتمنى لو كان بإمكانها أن تسندك ولكن كيف يسند ميّتٌ كائناً من الأحياء، ولكن نصيحتي هي أن تطلب العون، ستخالف عرف مجتمعك وسينتقدك كثير وسيكذّبك أكثر ولكن تخيل نفسك وهي أمام الله تحاسبك لأنك أهملتها لأجل من ينام وأنت صاحٍ ويأكل وأنت تعاني من الغثيان ومن هو سعيد وأنت تهرب بين البقاع من شعور داخلك. تذكر أنك حيّ وسيحاسبك الله على هذه الحياة فلا تضيعها وأنت حبيس عقلك، وانتقم ممّن آذاك بأن تصبح أفضل ممّا كنت عليه وهم هنا، فهم بحزنك لا يبالون.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.