المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هديل عواد  Headshot

أن تكون طبيباً

تم النشر: تم التحديث:

منذ صغري تميزت بكثرة مرضي، لدرجة أنه لا يكاد يمر الشهر أو الشهران إلا وقد اختبرت ألماً جديداً، زرت طبيباً مختصاً أو أجريت لي عملية جراحية. وكاد الأمر أن يقارب كوني أتمارض فكنت أتعمّد أن أصمت طويلاً قبل أن أشكو لعل وعسى يوفر عليّ التبرير. كنت لا أناقش بشك ما يقول الأطباء ولكن كلية الطب غيّرت مفهومي لذلك كلياً.

شاء الله أن تبتدئ رحلتي مع صداع قاتل قبل عام ونص العام تقريباً. زرت الطبيب فأعطاني مسكناً دون تشخيص وتحسّن الأمر. كان يعاودني الوجع بين الفينة والأخرى ولكني تجاهلته.

تجاوزت الأمور حدود قدراتي بسبب قلة النوم فقصدت طبيباً آخر. كان أمر هذا عجيباً، فجأة أخذ الحديث منحى آخر وصار يتحدث عن الثقة، ويا ليتني به ما وثقت. لقد آمن كثيراً بدوائه وتركني كما يترك الراعي أغنامه لتصل إلى المحطة التالية دون توجيه. اضطررت أن أزور أخرى، كانت هذه أهون السيئين ولكنها تجاهلت أمراً جوهرياً غيّر طريق العلاج كلياً ولو لم أكن على علم به بسبب تخصصي لواجهت عواقب وخيمة، فماذا يفعل من لا يعلم؟!

عاد الصداع مرة أخرى، فزرت طبيباً مختصاً كان يعرف تشخيصي قبل دخولي الغرفة، لم يقض معي أكثر من ثلاث دقائق وقرر أن يجزم بأن صداعي المستمر خمسة أيام مع غثيان مستفحل وحرقة بالعين قد تسبب به نقص بفيتامين "د". لقد نسي أننا في مجتمع يعاني من النقص فلو كان هذا يفعل كل هذا، فلن ترى أناساً يعيشون دون أن يصرخ الكل من وجع رأسه، ولم يصدقني وأنا أخبره بأني قد أوقفت عقاقير الفيتامين قبل أسبوعين، كل هذا فعله وفكر به وهو ينظر إلى شاشة حاسوبه وكأنني لست مرئية.

أعطى مسكنه مفعوله لمدة أسبوعين ثم عدنا مرة أخرى، وعندما فقدت قدرتي على التحمل قصدت طبيباً كان "نكتة" رهيبة. استمع لما قلت ثم قال لي: "أنت تتخيلين، وتطبقين ما تدرسين على نفسك". على ما يبدو، نسي أنني في الواحدة والعشرين من عمري ولم أعد فتاة الخامس الابتدائي التي لم تجد حيلة لتدفع والدها ليشتري لها الدمية التي تبكي سوى أن تمرض، بالله عليك كن واقعياً.

سألني والدي حينها عن حجم الضغوط التي أعانيها في دراستي فقلت له: "حتى لا أكون كالأطباء الفاشلين الذين ابتلاني الله بهم". نعم، هو لم يرفع رأسه خجلاً وأنا لست بنادمة. وبعد طول عناء، أنصفني طبيب في تعامله ولكن لم يأذن الله بالشفاء بعد.

ليس المغزى مما كتبت هو أن أخبرك قارئي فتتعاطف معي لأنك وإن تعاطفت فستمضي وسأبقى أنا لأتدبر أموري. ولست أعترض على ما أنا فيه؛ لأن أي ابتلاء ليس في الدين هو تفضيل. كل ما في الأمر أني قد عانيت ولا أريد لغيري ذلك، ولهذا، أن تكون طبيباً يعني أن لا تقدّم أعمالك المكتبية على حساب صحتي، فالله سيحاسبك على وجعي إن تجاهلت أداء واجبك تجاهه.

أن تكون طبيباً يعني أن تصدّقني حتى أصدّق رغبتك في علاجي. أن تكون طبيباً يعني أن ترحم دمعتي وأنا أتوسل بك أن تصدق مرضي وأن لا تثق بكيمياء العقاقير أكثر مما ينبغي. أن تكون طبيباً يعني أن لا تؤذيني حتى لو كانت نيتك نابعة من ينبوع خير فالنوايا لا تبرر الوسائل. وتذكر أن لا تتناول ورقة التحاليل وتنتقي كل شيء كمن ينتقي الإجابات الصحيحة في ورقة طالب مجتهد، فالبعض قد ضحى بوجبة العشاء لكي يوفر مالاً لكي يأتي. ولن أنسى أنك حين تكون طبيباً فقد امتلكت سلاحاً ذا حدين، فانتزع به وجعاً سرى في كل خلاياي ولا تجعل وسيلة لتنهي بها قطع شراييني.

وختاماً، معروف أن الكثيرين يدعون الله أن لا يجعل لهم حاجة عند خلق من خلقه، فيا معبوداً في سمائه، أسألك أن لا تجعل لي حاجة عند خلقك وأهمهم أمثال هؤلاء من الأطباء.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.