المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هديل عواد  Headshot

في أروقة المستشفى

تم النشر: تم التحديث:

لأمي مبدأ في الحياة لم أفهمه كثيراً رغم محاولتي لتفهمه، ولكن كلية الطب قد أبدعت في إيصاله. اعتادت أمي أن تقول عن كل وليد الحمد لله أنه تامّ الخلق ليس به خلل. الحمد لله على كل حال ولكن ما هو السوء الذي أخشاه. الإجابة كانت في أروقة المستشفى وبالأخص في جناح الأطفال.

اللافت أنك ترى الكثير من حالات الشلل الدماغي، تدخل على غرفة لتجد فيها أربعة منهم، وكل واحد منهم قادر على إيقاف حياة لكثرة ما يتطلب. يبدأ الأمر من عجزه عن الحركة، كثرة الالتهابات التي تغزو جسده، ويتطاول إلى صعوبة الأكل وحاجته لأنبوب في المعدة، وينتهي الأمر بعجزه عن التنفس فلا يقوى عليه بلا أنبوب يوضع في رقبته هي الأخرى.

لك أن تتخيل أن نقص أوكسجين حدث خلال الولادة قد يتسبب في كل ذلك، تخيل أن يبقى الجنين أكثر مما يحتمل، وتخيل أن يعجز الجنين ولحجمه عن الخروج، وتخيل أن يعجز المولود عن التنفس فلا يكون هناك معين لكي يتنفس. تخيل أن هناك شعرة بين أن تكون حبيس تلك الإعاقة طوال العمر وبين أن تكون صحيحاً، أعتقد أنّ هكذا إعاقة تستحق الشعور بعظمها.

في الجانب الآخر من المستشفى كان هناك طفل وُلد طبيعياً، عاش طبيعياً، دخل فصول الدراسة ثم غاب عن الحياة دون أن يغيب عنه النفس، هو في المشفى منذ خمسة شهور لا يعي ما حوله، ترتفع حرارته كل يوم دون أن يعرف سببٌ ودون أن يبقى مضاد لم يستخدم.

تدخل الغرفة فتناديك أمه أن تعال فأخبرك عن فلذة كبدي الذي كان يسبح ويدرس ويحاور، بات طريح الفراش لا يتحرك بسبب مرض جيني قد ورثه أخوه الأصغر كذلك، وهو في انتظار مصيره المحتم.

وفي غرفة على جانب الممر، كانت ترقد فتاة صغيرة السن وما يميزها هو بكاء شبيه بمواء القطط، وتخلف عقليّ يجعلها متأخرة عن كل أقرانها. وطامّة الأمر هو أن لها أخاً في العقد الثاني ويعاني من نفس الأمر. هو مرض جينيّ لا يعرف أحد له سبباً وها هي ستعاني طوال العمر.

ومن ثمّ البارحة أخبرتنا طبيبة لنا بأنّ تشخيص مريض بالصرع قادر على إدخال عائلة في دوامة من المخاوف، هل سيهتز وهو يأكل الطعام، هل سيهتز وهو جالس خلفك في مقعد السيارة. تخيل أن كل هذا يحدث بسبب خربطة في كهرباء الدماغ. الحمد لله أن كهرباء دماغي لم تزد على المفروض ولم تؤذِ العقل السليم.

وإذا أردت أن تعرف أنَّك في نعمة، فخذ جولة في وحدة الإنعاش. انظر إلى الأرواح التي تعلقت بجهاز تنفس والأرواح التي تنتظر أن تعيش والأرواح التي غادرت وأبت أرواحنا أن تتركها.

ومن باب الشيء بالشيء يذكر، فكن على يقين بأن العربية لم تظلم مستخدميها عندما افترض البعض بأن اللغة تقول "إن عاش" بمعنى أنّ نسبة عيشه مستحيلة ولكنها تعني بذل كل الجهود لبقائه على قيد الحياة، فكفانا ظلماً للعربية..

الخلاصة من كل ما كتبت هو أنك صحيح العقل والجسد لغاية، لم تكن كذلك حتى تصبح أنانياً ولم تُخلَق كذلك حتى تقدّم نفسك على الآخرين، ولم يجعلك الله كذلك حتى تتبختر على عباده، كن جيداً حتى ترى الحسن من الآخرين، أما إذا بقيت بطبعك هذا فسيأتي يوم يخبرك به الله كيف أنّه أكثر عدلاً من أن يقدّمك على آخرين وبأنك مغترٌ بنفسك أكثر مما تستحق، وأنا وأنت بالانتظار.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.