المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حبيب العزّي Headshot

الاحتلال الإماراتي لليمن

تم النشر: تم التحديث:

لم تكن الأحداث التي جرت مُؤخراً في مدينة عدن اليمنية مُجرد محض صُدفة، وإنما كانت ضمن خُطة وترتيب مُسبق بين ما يُسمى بـ"المجلس الانتقالي الجنوبي" بزعامة عيدروس الزُّبَيدي، الداعي لانفصال الجنوب اليمني عن الشمال، وبين دولة الإمارات، التي كانت قد أنشأت بالأساس قوات ما يُعرف بالحزام الأمني، المنتشرة داخل مدينة عدن ومحيطها الخارجي، ضمن تلك الخطة، واستعداداً لمثل هذا اليوم.

شخصياً كنتُ قد كتبتُ مقالاً سابقاً، تحت عنوان "لُغز الإمارات في اليمن"، نشرته مجلة شئون خليجية بتاريخ 21/12/2015م، أي قبل نحو أكثر من عامين، قلت فيه بالحرف: "إن أخشى ما أخشاه، أن نفيق بيوم من الأيام، على حقيقة صادمة، نُدرك من خلالها، وبعد فوات الأوان، أنَّ تلك الدويلة، لم تكن سوى أداة في تحالف آخر كبير، مضاد تماماً في اتجاهه لعاصفة الحزم، هدفه الرئيس تقويض وإضعاف دور المملكة العربية السعودية، والشرعية اليمنية ممثلة بالرئيس هادي، واستنزافهما في حرب طويلة الأمد، تصبُّ بنهاية المطاف، في مصلحة ذاك التحالف الآخر، الذي تشكل إيران وروسيا رأس الحربة فيه".

كما أضفتُ بالقول: "وإذا ما أضفنا لذلك كله، الخلافات "المكبوتة" بين السعودية والإمارات، "والمرشحة للانفجار بأي وقت"، لأسباب متعددة، لا يتسع المقام لذكرها هنا، لكن أهمها هي محاولات الإمارات الدؤوبة، للعب دور المنافس الإقليمي للمملكة، في قيادة الإقليم والمنطقة، وتقديم نفسها للعالم الغربي ولإيران معاً، بل وحتى لإسرائيل، على أنها الأقدر على محاربة التيار الإسلامي المعتدل، المُتمثل بجماعة الإخوان المسلمين، وهو التيار الذي يمثل الخطر الحقيقي، على مصالح تلك الدول في المنطقة...".

ما قُلته إذاً قبل أكثر من عامين، وما كنتُ أراه مُجرد لغزٍ مُحيِّر لليمنيين، في سلوك تلك الدولة داخل اليمن، ها هو اليوم يتحقق أمام أعيننا، خطوة بعد خطوة، وبُصُورة وقِحة وفجَّة، لم يعهد اليمنيون لها مثيلاً طوال تاريخهم السياسي الحافل.

لم تكن دولة الإمارات بيوم من الأيام عدوةً لإيران مُطلقاً، وحجم ترابطهما وتعاونهما الاقتصادي والتجاري يثبتُ لنا ذلك، فالإمارات تُعد ثاني أكبر شريك تجاري لإيران في منطقة الخليج، بحسب البيان الصادر عن اللجنة الأوروبية للعام 2010، ودُبي كانت هي طوق النجاة بالنسبة لإيران، حين اشتدت عليها العقوبات الاقتصادية من المجتمع الدولي، تلك العقوبات التي كانت بمثابة الفرصة الذهبية للإمارات، التي استطاعت بدورها جذب ما لا يقل عن 300 مليار دولار، من رؤوس الأموال الإيرانية، خلال فترة تلك العقوبات، عبر مئات الشركات الإيرانية، التي نشطت -ولا تزال- تجارياً داخل الإمارات.

من المُرجَّح لديَّ -بعد تلك الأحداث التي جرت في مدينة عدن مؤخراً- أن مُشاركة الإمارات في تحالف عاصفة الحزم، قبل نحو ثلاث سنوات، كانت بالأساس مبنيةً على اتفاق مُسبق وتنسيق كامل مع إيران، وعلى ما يبدو فإن ذاك الاتفاق قد قضى بتقاسم النفوذ بينهما داخل اليمن، بحيث توافق إيران على التخلّي عن الجنوب اليمني لصالح دولة الإمارات، مُقابل التزام الأخيرة بالعمل على تثبيت النفوذ الإيراني، داخل المناطق الشمالية.

كانت الخطة هي أن تعمل الإمارات على إضعاف وتهميش الدور السعودي داخل اليمن، وأن تبذل كل ما بوسعها من أجل تقويض سيطرة الحكومة الشرعية، من خلال بسط سيطرتها بقوة السلاح، وفرض واقع جديد على الأرض، كما ولعِب دور المُعيق والمُعرقل أيضاً لأي تحركات للتحالف وللجيش اليمني، المسنود بالمقاومة الشعبية، من شأنها تحرير ولو حتى بعض أجزاء من المناطق الشمالية، الواقعة تحت سيطرة الميليشيات الحوثية، المدعومة من إيران، وهو ما قامت به الإمارات على أكمل وجه، وبشكل فاعل وملحوظ طوال الثلاث سنوات الماضية.

بينما كان كل ذلك يحدث، وبينما كانت الإمارات قد استطاعت احتلال ما يزيد عن ثلثَي الأراضي اليمنية، كانت المملكة العربية السعودية، التي يُفترض أنها "قائدة" التحالف، مشغولةً بالخلاف مع دولة قطر، وبإصدار البيانات والفتاوى الدينية، التي تدينها برعاية الإرهاب، وبينما كان محمد بن زايد منشغلاً بدعم وتدريب الميليشيات التابعة له في الجنوب اليمني، تحت مُسمى "قوات الحزام الأمني"، استعداداً لمعركة السيطرة الكاملة على الموانئ والمرافئ اليمنية، ومن ثم الاحتلال لكامل تراب الجنوب تحت يافطة "حق تقرير المصير"، كان الأمير محمد بن سلمان مشغولاً بصراعه الداخلي مع الوليد بن طلال، حول التسوية الممكنة بينهما بشأن أسهمه في شركة "المملكة القابضة"، وليس لديه الوقت الكافي لمتابعة مثل هذه القضايا الهامشية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.