المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

قوق محمد Headshot

المولد النبوي و"كُسكس" أمي الذي يزيد الفرح والبهجة

تم النشر: تم التحديث:

عند اقتراب اليوم الذي يعتقد فيه المسلمون جميعاً أنه اليوم الذي أنار فيه النبي محمد -عليه الصلاة والسلام- الدنيا بوجوده في الحياة، تكثر النقاشات، وأحياناً التصادمات والجدال، حول هل يجوز الاحتفال بمولد النبي محمد عليه الصلاة والسلام؟

هل الاحتفال بمولد النبي سنّة دينية أم بدعة دينية أم عادة تقليدية لا دخل للشرع والإفتاء فيها؟ أم هل هو إحياء لرجل عظيم أراد لهذه الأمة المقهورة أن تكون عظيمة؟ هل هو يوم ديني أو يوم تقليدي تاريخي؟ أم هو يشبه الأيام الوطنية كيوم الاستقلال ويوم الثورة مثلاً عندنا في الجزائر؟

دعنا منهم، لقد تذكرت أمي، في بيتنا اعتادت أمي أن تأكل طبق الكسكس بالدجاج أو الديك الرومي، وتعتبرها أكلة مقدسة في هذا اليوم المقدس، تقضي كل النهار مسرورة تنتظر تلك الأكلة، إنها سعادة لا توصف حينما تكون سُنة تحييها أمي منذ صغرها، كما في شارعنا يتخاطف الأطفال الحلويات التي تسمى عندنا بلغتنا العامية "الدراز"، تمر المناسبة هذه على أنها يوم فاصل من أيام العام التي تمر على شكل آلي، فيعتبر يوماً تسترد فيه الناس نَفَساً وتغير قليلاً فيه من آليتها اليومية، كما أنها تمر بسعادة وليس بتعاسة، ففي هذا اليوم يفرح الناس ولا يتباكون على موتى أو يحزنون، لكنهم يعتبرون هذا اليوم يوم فرح، بمعنى آخر وكأنهم يحتفلون بوجوده في الحياة، وما فعله من جميل، لا أن يتذكروا أن هذا اليوم وُلد فيه شخص قد مات ولم يعد موجوداً، بمعنى آخر يتذكرون لحظات وجوده في الحياة وما تركه يتنفس في عاداتهم ومعتقداتهم وحركاتهم، وما إلى ذلك من إثباته، إلى وجود الله، إلى تلك الكلمات التي يقولونها عند دخول بيت الخلاء، يشبه عملية لاجترار أشياء كانت قبلاً، والدعوة إلى الحرص عليها والثبات عليها، واتخاذها كمبادئ وعدم المساس بها.


إن هذا الأمر، ومن هذا المنطلق نجده يوماً ليس مشروطاً في الدين، ولكنه بحكم التاريخ نتذكر فيه رجلاً عظيماً عظّم أمته أو رجلاً صنع تاريخاً لنفسه يتذكره به الناس، سواء كانوا غير مسلمين، وكان قد أحسن التعامل مع أجدادهم، أو أحفاداً مثلنا، قد علمنا كيف نتعامل ونتعايش وفق الإنسانية والأخلاق، هو يوم للبشرية من منطلقه الأوسع، يجعلنا نقف فيه كل على حد تفاعله مع اليوم احتفالاً أو قراءة أو تذكراً أو تثبيتاً للأخلاق التي علمنا إياها.

لكن في نظرة أخرى عند بعض المسلمين أن يروه يوم مولد رسول، وهو من الدين أن يحتفل به، فأجده بغض النظر عن الفتاوى التي تبيح الاحتفال بها وتستحبه أو توجبه، أنه إن اعتقدنا أن الاحتفال بالرسول كيوم ديني بحت، فنحن الأمة المسلمة لنا في القرآن آية وجب أن نقف عليها؛ حيث يقول الله عز وجل: " آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ" (البقرة: 285).

إن المسلمين في أركان الإيمان وجب عليهم الإيمان بكل الرسل، وأنهم كلهم من الله يدعون إليه لا فرق بين أحد منهم، كلنا نؤمن بهم إيماناً واحداً، نعتقد أنه لم يخُن أحد أمانته ورسالته إلى البشرية، وكلهم أتوا يدعون إلى رب واحد، وكلهم ينساقون على حسب أوامر الله إلى دين واحد اكتمل عند الرسول "محمد".

نحن المسلمين أصحاب الدين الوحيد الذي في أركان الإيمان بدينه أن يؤمن بجميع الرسل والأنبياء، فلزم بذلك أن نحتفل بكل الرسل، فأعتقد أنه إن اعتمدنا الاحتفال بمولد النبي محمد احتفالاً دينياً لزم بذلك الاحتفال بمولد المسيح عيسى كذلك وموسى عليهما السلام.

إنه ومن هذا المنطلق كنت قد أهديت أمي بالأمس بشارة رائعة بأنه إن كانت تقدس هذا اليوم بأكلتها الشعبية التي تفرح لها كثيراً، كان عليها أن تعيد هذه الأكلة في يوم المسيح عيسى؛ لأنه أقرب إلينا، خصوصاً أن التاريخ الذي نعتمد عليه في رسم الزمن هو التاريخ الميلادي للمسيح عيسى، لقد فرحت كثيراً وأخذنا نتكلم عن عيسى، وأخبرتها أنه كان علماً للتسامح والتعايش والسلام، وأننا نحن المسلمين وجب علينا أن لا نفرق بين الرسل، وأنهم كلهم لنا ونحن لهم، بحكم أننا خير أمة أخرجت للناس.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.