المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

قوق محمد Headshot

لا تقلقوا أيها الجزائريون.. سنتأهل في "الكان 2019" ونسجد في الملعب

تم النشر: تم التحديث:

2017-01-26-1485389906-3617524-2014sodjoud600_973245003.jpg

كانت تصلي وتسجد، وتعيد الكرة مرة وأربع مرات تدعو الله، تتكلم وتتمتم، لم أفهم من الكلمات غير اللهم انصرنا، اللهم انصرنا، يا رب، يا رب، في تلك اللحظة لم تكن المباراة قد بدأت، كانت دقائق مناجاة بين الله وبين المناصرين للفريق الوطني الجزائري على السنغال، الجمهور يدعو الله، ويناجي الله الذي في نظرنا يستطيع أن يجلب لنا ما نريد، ومهما كان مستحيلاً، ونعتبر ما قدمناه لله في دعائنا هو وجوب الانتصار والنصرة، هناك كذلك من هاتَفَ أمّه وجدّته وجدّه وأحد أقاربه ومعارفه كونه في العُمرة أمام الكعبة، إن قوة الدعاء الذي صعد إلى الله في ذلك اليوم كان كبيراً وعظيماً؛

لأن الفوز يجب أن يكون، ويجب في ذات الوقت أن تخسر تونس كي تصعد الجزائر، لكن ما لم أفهمه كلمة انصرنا في الصلاة والدعاء، وكأن نصر المسلمين يجب أن يكون على حساب مسلمين آخرين هم تونس، وهل يحق لنا إدخال كلمة نصر في حضرة الله؟ تخيل مثلاً أن الله يضرب طائفة مسلمة بأخرى مسلمة.

تباً، وكأنني أتذكر الآية التي تقول: "وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأخرى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" (سورة الحجرات: 9).

أنا لا أؤمن بالماسونية، وأن هذا العمل وهذا الحساب الذي سنّه قانون الفيفا مفتعل؛ كي يحب كل مسلم لأخيه المسلم الخسارة مع الضغينة؛ كي ينجح هو على الرغم من أن كليهما يلعب، وينافس آخر في ملعب آخر!!

لا أؤمن بأن قضية المؤامرة هي مَن جعلت مناصري بعض الفرَق يتقاتلون مع مناصري الفريق الآخر، فهذا يحدث في حيّنا كذلك.
لكن أن نضع قضية وطن وقضية شرف في منافسات بطولة لكرة القدم ومباراة وليس تطور البلاد أو اقتصادها أجده أمراً ليس بالجيد، كذلك أن نسخّر الله ثم الوطن في حسابات البطولة.

اللعبة جميلة، وأنا لا أنكرها بكل تفاصيلها، لكنني أنكر وضعها في أولويات المجتمع المتخلف الذي يجب أن يلتفت للكثير، قبل أن يُسخّر عاطفتَه المسكينة وأملَه وفرحَه الحقيقي غير المؤقت في كرة القدم.

يقول الله: "وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي استجِبْ لَكُمْ" (سورة غافر: 60)، لم يستجِب الله للفتاة حينما كانت تدعو، ولكن أنا متأكد أن أخرى في تونس كانت تتمتم ربما بنفس الكلمات، وحينما فازت تونس قد طارت فرحاً وقالت إن الله محقٌّ حينما قال هذا الكلام في كتابه المقدس.

إن إدخال الفكر الديني في كرة القدم ربما كان مع ظاهرة السجود تلك التي قام بها السعوديون، حينما وصلوا إلى المونديال، وهي أن تكون السجدة تعبيراً عن اتصال بالله مباشرة في الملعب نبلغه الشكر على الهدف، هو الأول مَن يستحق ذلك، ويقال إن الإيرانيين في مونديال الأرجنتين سنة 1978 دخل بعض اللاعبين الملعب رافعين المصاحف، كذلك المنتخب المصري الذي كان يسمى "منتخب الفراعنة"،

والفرعون هو الذي تعالى على الله وقد غيّر اسم المنتخب بعد ذلك إلى النقيض، وهو "منتخب الساجدين"، وزاد الأمر حتى كتبت الصحف المصرية في مباراة "أم درمان" أن منتخب مصر يعتبر منتخب "أهل السنة والجماعة"، ووصل الأمر إلى قتال بين الطائفتين المسلمتين " الجزائر ومصر".

إن تجاوب الدين لهذا الطلب الكروي كان له صدى كبير جداً، فدخلت موجة الفتاوى مثلاً إذا كان اللاعبون بعضهم غير طاهر هل يباح لهم السجود؟ هل اللباس الرسمي للعب في كرة القدم يباح السجود به؟ هل السجود لله يقتصر فقط في حال الفوز والخسارة لا؟ وفي الأخيرة هذه أخذ آخرون أن السجود في الخسارة من شأنه أن يزيل الهم، ولكم أن تتصوروا كيف وضع الله في سجّاد الحسابات الكروية.

إن الشعوب قد أدخلت الدين في اللعبة، وبدا الانتشار بشكل رهيب، ودخلت الديانة من باب واسع كما دخل الوطن هو الآخر بشكله الكامل؛ ليحصر نفسه والدين في مسألة هدف أو هدفين يثبتان أن الفريق وشعبه يستحقان الوطن ورضا الله.

لعل هذه النظرة العميقة لا يدركها الكثير، التي امتصت الكثير من المبادئ والأساسيات والأركان في بناء المجتمع وقيمه، لكنها بدت تظهر بشكلها المتعفن قليلاً أمام الملأ، كونها تعالت لدرجة أن الكرة في بلدي الجزائر تمثل سياسة معقدة جداً بين المجتمع الفقير والحقيقة الغنية في الحكومة، فمصدر سكون المجتمع هو الفوز، ومصدر استيقاظ المجتمع لحقيقة النمو في الدولة هو إهماله للكرة، والإهمال لا يكون إلا بالخسارة للفريق، حتى إنه ظهر أخيراً بعض من الناس يدعون بخسارة الفريق ويقولون إن الخسارة تكفينا هذا الصراخ السرابي للفرح المنشود والسعادة الحقيقية للمجتمع الجزائري الذي استخفت به كرة القدم وأنسته الوجع الدفين.

ماركس حينما قال إن الدين أفيون الشعوب، لعله هنا يستطيع أن يعدل الأمر فيكتب الكرة أفيون الشعوب، فالإسقاط التغيُّري الذي تؤثر فيه الكرة هو إسقاط للمعنى في قوله بأن الدين أفيون..

لكن فقط حينما ندرس الإسقاط نجد أن الكرة بدون آلهة، إنها مجموعة من الموهوبين يمارسون طقوساً وحركات من شأنها أن تجعلنا نرتاح ونفرح ونخشع، كذلك لو نستطيع شراء التذاكر كنا سنأتي أفواجاً في مواقيت محددة بطرق متكررة معروفة إلى ملعب يحتضن الجميع.

حينما دعت الفتاة الله وأكملت وشاهدت المباراة وتأكدت أن الله لم يستجِب، وأن الفريق الجزائري يوضب أغراضه راجعاً للبلد كانت قناة الجزيرة تمرر الشريط السفلي بعدد القتلى والجرحى المسلمين في كل من العراق وسوريا واليمن، ولكنها لم تحرك ساكناً أو تدعو الله بتلك الرغبة في الاستجابة الملحة التي كانت في الكرة قبلاً، إن الأمر أصبح معقداً حقاً إنه يعتبر لغزاً محيراً جداً أن تحقق الكرة ما لم تحققه النزعات الإنسانية في كره الدم والظلم والحروب والويلات والبكاء.

نسيت أمراً، في فوزنا في أم درمان في تلك المباراة الملعونة، كان مدرب الفريق رابح سعدان في قناة تلفزيونية تكلم رسمياً بأن الفوز كان بفضل الشيوخ والعجائز وبـ"دعوات الخير"، أنا أعتقد أنه هناك من يرى أنه السبب في سقوط الفريق الجزائري هو إهمالنا للسجود في الملعب للهدف الأول، وعدم الحث والتحسيس حول أهمية الشيوخ والعجائز للدعاء، ولنا في البطولة القادمة أن نتدارك الأمر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.