المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

غياث قداح  Headshot

مساحة صغيرة لسوري ضاقت به الأرض 1

تم النشر: تم التحديث:

كان قد قرر مسبقاً , أن يعطي لنفسه هذه اللحظة، ففي المكان المحدد وقف وحيداً على صخرة بحرية، تأمل جواز سفره، وفكر في شموخ الطائر الجارح الموسوم به، تذكر عدة لحظات استخدم فيها هذا الجواز تذكر وجوه الناس الذين نظروا إليه، تذكر الموظف الذي أصدره و كمية النقود السخيفة التي دفعها ليحصل عليه من فوق الطابور، تذكر المصور الذي إلتقط له الصورة الشمسية الموجودة فيه..

قرأ اسم جمهوريته بتمعن تارة، وبحيادية من يقرأ للمرة الأولى تارة أخرى، في تلك اللحظة لم يكترث لعدد النجوم المرسومة ضمن الطائر، بل غاص في فوضى الوجوه الباسمة في مدرسته وفي حارته وفي عمله وأسرته وعائلته الكبيرة، تذكر وجوه الأطباق اللذيذة في المطاعم الشعبية تبتسم له، تذكر شكل العملة الورقية والمعدنية، ثم جال خاطرُهُ مسرعاً في عدة شوارع رئيسية وأسواق محببة عتيقة، فأيقظته من رحلته رائحة التوابل، تلمس أوراق الجواز ببطئ، استعان بضوء القمر ليرى أختاماً قديمة وأختاماً حديثة، وصفحة التمديد لمدة أربعة سنوات فكاد يضحك من بذاءة المستقبل..

أغلقه بكلتا يديه وبقي لبرهة مطبقاً عليه، ثبت شفتيه على حافة جواز السفر الظاهرة من بين يديه بهدوء مكتشفاً أن لديه دمعتين على وجنتيه.

وضعه في قميصه الداخلي وكأنه يسرقه، قفز من على الصخرة واتجه إلى المياه وقفز إلى قارب مطاطي فيه عشرة أشخاص وسائق.
.
- السائق: شو كبيتو متل ما قلتلك؟
- هو: إي..

- السائق: إي منيح.. بلا ما يرجعوك ...

إنطلق القارب وهو يخبئ عصفوراً في صدره، مهما فعل هذا العصفور في المنفى الثلجي...

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.