المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

غياث قداح  Headshot

في حركة استباقية..

تم النشر: تم التحديث:

سوريا.. ذلك البلد المحترق على ضفة المتوسط, مهما تغير النظام ومهما تبدلت أيديولوجياته, ومهما طالت لحيته أو قصرت "لنفترض", فلماذا لا يحترم الدستور, لماذا قد ينسف الدستور نسفاً ككل الأطفال والنساء, لماذا قد يعلق تعليقاً كمعدم على مشنقة, لماذا قد تغمد فيه سيوفٌ تشبه سيوف التعديل الوارد في عام 2000 ميلادية في إجماع الربع ساعة تحت قبة البرلمان؟ , لماذا لا يتعامل القادمون معه كمادة عمل غير مرنة, يقومون بتعديلها بعناية بالغة مادةً مادة, بما يتناسب مع نسف الديكتاتورية والظلم "إن وردت فيه", الدستور السوري والقوانين السورية عامة ليست بمجملها نتيجة استبداد حاكم, وتسلط حزب واحد, إنما بأغلبها هي نتيجة جهود فقهاء ومشرعين شهدت لهم الدنيا بكفاءتهم الكبيرة, وقيمتهم الهائلة, فهو قانون انتقائي اختياري نتج بعد أبحاث كبيرة ومقارنات أكبر, مصدر روح القانون هو عرفنا وعاداتنا كسوريين, والشريعة الإسلامية والسنة النبوية الشريفة, وقوانين عربية وأوروبية, ففيه احترام لكل الأديان ووجود لمحاكم لكل ملّة في شؤونها العائلية والشخصية, "بغض النظر عن رأيي الشخصي في دمجها ومساواتنا أمام قانون واحد ومحكمة واحدة مدنية"..
من الصحيح أن هوية سوريا الإسلامية واضحة رغم تعدد الأديان, والهوية العربية واضحة رغم تعدد القوميات, لكن الكفيل الوحيد هو الدستور, هو الحلم الحقيقي للطامحين إلى الحرية الحقيقية, فالتجربة التركية مثلاً توضح وصول إسلاميين إلى الحكم وقبلهم علمانيين وربما بعدهم علمانيين لكن الدستور هو الكفيل بحماية الجميع ومنع الانحرافات عن طريق سيادة القانون.. على الرغم من تمكنهم من إدخال بعض أديولوجيتهم إلا أن الخط العريض يبقى واضحاً ومحمياً.. فسيأتي بعدهم من يدخل أيديولوجيته أيضاً ضمن المحدودية ذاتها..
كلنا نعلم أن قطع اليد للسارق وقطع اليد والرجل على خلاف لقاطع الطريق والجلد والرجم نعلم أنها حدود من حدود الله, ولو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها, لكن لا مجال لتطبيق هكذا عقوبات بدنية في هذا العصر لآلاف الأسباب لا طائل من ذكرها الآن..
لذلك سوريا لا تحكم إلا ضمن إطار أصله علماني سياسي, وعلينا التفريق بين العلمانية السياسية والعلمانية التي ترد على المعتقدات الدينية وما يوصف بالإلحاد, أقول سوريا لا تحكم إلا هكذا ليس عن عبث, بل لأصل تاريخي فهي لم تحكم هكذا من قبل وما مشى فيها "مطاوعون" كالسعودية, ولا أجبر النساء على "ملابس موحدة" كإيران حتى للسواح.. حتى في زمن الخلفاء كانت مساحة الحريات في دمشق الناتجة عن القانون تكاد تماثل القوانين العصرية ولم يستطيعوا تحويلها إلى مدينة منورة أو مكة مكرمة لخصوصية سوريا عموماً وفرادتها.
إن القوانين هي ثروة قومية, لا تقل عن النفط والغاز والذهب, ولا تقل عن المكتبات والمخطوطات الوطنية الأثرية, ولا تقل في قيمتها التاريخية عن معبد في تدمر, ولا تقل في أهميتها عن المحاصيل الزراعية فهي محاصيل لتجربةٍ وجهودٍ طويلة وعصارةٌ لفلاسفة ٍسوريين تم التعتيم على أسمائهم المقدسة خوفاً من أن يمجدهم الشعب فتفتح أمامهم فرصٌ سياسية.. لأنهم يستحقون..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع