المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

غسان موسى الشريف Headshot

المجتمع والعولمة وتحديات الهوية

تم النشر: تم التحديث:

المجتمع هو ما يشكل قناعات الإنسان ويؤثر فيها بشكل مباشر؛ ففيه نعيش، وبه نحتكّ، ومنه نعاني، وإليه نحتكم على مدار الساعة.

هذا المجتمع قاهر بطبعه؛ يغْلب طبيعة الإنسان ويتغلّب عليه؛ فيخرجه من إطار إلى إطار، ومن فكرة إلى أخرى، ومن مرحلة إلى مرحلة؛ فالفكر يتغير مع تغير المجتمع. وقد يؤثر عليه بشكل كامل؛ فيغير من طريقة تفكيره وأسلوب حياته كلها، أو بشكل جزئي؛ فيعكس أجزاءً من حياته وتفاعله مع من حوله. ويتشكل تأثُّرنا هذا بطريقة تدريجية عبر الاحتكاك بمجتمعات أصغر؛ من البيت إلى المدرسة والعمل ثم الحي. وفي كل مرحلة من هذه المراحل، تتشكل أطوار تفكيرنا، إلى أن تتّحد في المجتمع الكبير. وكلما كانت هذه المجتمعات الصغيرة مرتبة فكريًا ومترابطة في أسلوب حياتها؛ استطاع الإنسان أن يخرج إلى المجتمع الكبير وهو أقدر على التعامل معه، والانسجام فيه، والتفاعل بشكل سريع ومباشر. وكلما تبعثرت هذه المجتمعات الصغيرة وتفكّكت؛ ضعفت قدرة الإنسان على التأقلم والانسجام والتماهي مع مجتمعه.

ومن هنا تظهر أهمية المجتمع في تركيبة الإنسان وصياغته، وتشكيل إمكانياته الروحية والنفسية، وتطوير مهارته المعيشية. فالمجتمع القادر على التأثير الإيجابي في أفراده، والذي يؤهلهم على الشعور بأنهم جزء منه، ويعوّدهم على التفاعل مع قضاياه بشكل إيجابي؛ هو مجتمع مترابط قوي البنية، لديه فكرة واضحة عن الناس والبيئة التي حوله. أما ذلك المجتمع الذي يعطي إشارات سلبية لأفراده، ولا يمنحهم فرصة المشاركة في نسيجه والتفاعل مع قضاياه؛ فهو مجتمع مفكّك مشوّش الرؤية. ونستطيع أن نفرق بين المجتمعين من خلال الحكم على هُويّة أفرادهما؛ لنميّز مصدر المشكلات التي نعانيها في واقعنا اليوم. فبقدر ما يتبنى المجتمع الهُويّة ويؤثر فيها؛ ينعكس عليه، وبقدر ما يهدم منها؛ يؤكل منه، وهذه العلاقة المتبادلة هي ما تبني المجتمعات، وما تهدمها.

بدأت الهُويّة العربية الإسلامية في الذوبان وإعادة التشكُّل بوتيرة متسارعة مع بداية عصر (العولمة)، الذي أزيلت فيه الحواجز بين الشعوب، وقفزت فيه العادات فوق الحدود؛ ما أدى إلى تمايع التقاليد، وتشكُّل أفكار وهُويّات جديدة لدى مجتمعاتنا، هي في أحسن حالاتها مختلفة عن أسلوب الحياة الذي اعتدناه على مدى أجيال متعاقبة.

ومع أن هذا التغير في المجتمع يبدو مفاجئًا، إلا أنه في الحقيقة قد حدث بطريقة بطيئة وغير واضحة المعالم في مجملها. فبوادر التغير الفكري بدأت قبل العولمة بوقت طويل، منذ أن احتك العالم العربي الكامن في غفوته الطويلة بالغرب القوي المتحضر في بداية القرن التاسع عشر. ثم تطور هذا التغير الفكري إلى أن أصبح واقعًا يتمثل في تيارات وطرق حياة، لكنها بقيت في نطاق بسيط وعلى مستويات معينة في المجتمع العربي. استمر هذا التغير إلى أن حولت الآلة الإعلامية الغربية والسياسة وجهتها إلى المجتمعات النامية؛ فبدأت تتأثر بأفكارها شرائح أوسع من المجتمع، ووصلت إلى كل بيت، إلى أن تأثر بها أفراد من أكثر الأسر محافظةً وأكثرها بعدًا عن الثقافة الغربية.

بدأت آلة العولمة تضرب أطنابها في مجتمعاتنا بهدوء ونعومة وخِفْية، ودخلت البيوت من أبوابها الخلفية خلسة دون ممانعة تذكر. وعبر أدوات ترفيهية وطرق إبداعية مؤثرة، بدأت تتغير أفكار الكثير من عقول الصغار والكبار من مختلف الشرائح. وهي لم تجد -مع الأسف- على الطرف الآخر ما يقابلها في القوة والفعالية؛ فجمود الخطاب الديني، واتباع الطريقة التقليدية في الترفيه سواء للكبار والصغار؛ فتح لهذه الآلة الباب على مصراعيه لكي تعبث بكل مكتسباتنا دون أدنى مقاومة.

وعلى إثرها تأثرت الهُويّة العربية بالفكر الغربي، وبدأت تظهر على مسرح الأحداث مظاهر هذا التأثر في أشكال كثيرة؛ فأصبح الحجاب شكلًا من أشكال قمع الحريات، والعيش على التقاليد الغربية مظهرًا من مظاهر المدنية، حتى إن الإلحاد أصبح يتداول في بعض النطاقات الضيقة.

لا نستطيع أن نلوم العولمة في تغير مجتمعنا، بقدر ما نلوم الخطاب الديني الذي كان من المفترض أن يشارك في تشكيل الهُويّة المجتمعية بشكل صحيح؛ بدلًا من التزامه بطرق تقليدية للدعوة، وتقيُّده بالحلول المقترحة من الاتجاهات الأخرى، وحصر الدين في بعض الممارسات الضيقة التي لا تؤثر في الحياة الاجتماعية في مجملها. فمع تطور وسائل الاتصال، التزم الخطاب الديني بطريقته الوعظية المعهودة على رؤوس المنابر، دون مراعاة للتطور في فكر المستمعين وطريقة حياتهم، وبقيت مواضيعه تدور حول فقه العبادات وبعض الممارسات الدينية الأخرى، دون الالتفات إلى القضايا الهامة في حياة الأفراد والمجتمعات. وبدا لفئات واسعة من المجتمع أن خطبة الجمعة مثلًا لم تعد تجيب على الأسئلة الملحّة للعربي الذي يعيش في عصر العولمة، خاصة وأن الخطاب الديني قد اتبع حلولاً بعيدة عن التطبيق في أرض الواقع، دون أن يأتي بحلول بديلة عملية قابلة للتنفيذ. وقد زاد الطين بِلّة خيبات الأمل التي مُنِيَ بها المجتمع العربي الكبير في حَراكه المستمر لتحديد الهُويّة.

في محاولتنا للبحث عن هُويّتنا، لم يبقَ لنا من حاضرنا ما نستطيع به أن نتميز عن غيرنا، إلا بما لم يبقَ على رونقه في عصر النت؛ مثل اللغة والتراث. ففي عصرنا الجديد، الكل خاسر إلا من يستطيع أن يشكل هُويّة جديدة مبنية على الفردية، والألعاب الإلكترونية، وفضاء المعلومات الرحب، الذي تلمع فيه نجمات البوب وممثلو هوليوود على كل الأنوار الأخرى الباهتة. أصبح العربي في هذا العصر يتابع خطاب أوباما، ويتحسّس من وصول ترامب إلى الرئاسة أكثر من متابعته لأخبار بلاده التي لا تزيده إلا توتراً.

كما أصبح يشجع المنتخبات والفرق العالمية؛ لكيلا تصيبه المرارة وهو يتابع لعب فرقنا المحلية، ويقارنه بتألق الكرة العالمية. ومع فشل الأحزاب الإسلامية في إبراز ثورة الربيع العربي بما يتناسب مع حجم التضحيات التي بذلت لها، أصبحنا نتطلّع إلى الشمال علّنا نجد في التجربة التركية تعويضاً لهُويّتنا الضائعة.

وفي خضمّ هذا التخبُّط الذي ضعفت فيه أدوات تشكيل الأفراد في المجتمع، فلم تعد سلطة الأسرة قاهرة، ولا التصوُّر الديني ملزمًا، وانحلّ ما يُرتكز عليه في تحديد التصوُّرات، فلا وجود لأشخاص مؤثرين ولا منطلقات فكرية جذابة؛ استقلّ الفرد، وأصبحت محاولاته أكثر تحرُّراً في تحديد هُويّته. ومع أن هذه الصورة تبدو سوداوية وخطرة، إلا أنه قد يكون فيها الخلاص؛ فقد بدأ الشباب في الانتقال إلى هُويّةٍ جديدة تتناسب مع واقع المجتمع وروحه؛ هُويّةٍ متخبطة وضائعة، ولكنها في طريقها إلى تحديد المعالم بلا خوف أو ريبة. ولكي تصل إلى طريقها الصحيح بأقل الخسائر؛ فلا بد من توفير بيئة مناسبة تعينها على تحديد أهدافها وبلورة أفكارها بالشكل المناسب.

بيئة تحتضن المواهب بشكل مبكّر، وتحث على إفراز الأفكار ومناقشتها، وتحفّز الإبداع وتشجّع العمل. بيئة يجد الشباب فيها فرصة لملء وقت فراغهم بما يفيد، دون تعصب منتن أو محسوبية مقيتة. بيئة يتخلّلها الدين ويكون ضمن نسيجها العام، الدين بثوبه المتسامح الذي لا يلغي الآخر ولا يتحزّب ضدّ المخالف. عندها سيتمكن الشباب القوي والشجاع من شقّ طريقِ واقعٍ جديد، وصنع هُويّة يفتخر فيها الصغير والكبير بثوبه العربي الأنيق والحديث.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.