المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

غسان خضر Headshot

الإعلام وأكذوبة المهنية

تم النشر: تم التحديث:

أثناء انتظاري في المسجد حتى تُقام الصلاة نظرت بجانبي، وإذا بمراسل الجزيرة في أربيل أحمد الزاويتي، قاطعته أثناء دعائه، ألقيت عليه السلام، ثم قلت له إنكم -أي الجزيرة- تتعرضون لحملة شعواء، قال: ذلك هو الإعلام، ثم اتكأ ولم يضِف شيئاً آخر.

وبعد أن انقضت الصلاة وانتشرنا في الأرض، لم أكتفِ بجوابه ذلك، فبدأت أبادله الحديث كي يتحدث هو أثناء طريق عودتنا، فقال: "لا يوجد في الإعلام شيء اسمه حيادية، فلا حياد بين الحق والباطل، هناك مهنية فقط، والمهنية لا تطلب منك إلا تكون صادقاً أميناً دقيقاً في النقل وحسب"، وبعد أن افترقنا كل لبيته، بقي كلامه يدندن في أذني وبدأت أفكر فيما قال، وأسترجع كشريط سينما الأزمة الخليجية الدائرة بين السعودية والإمارات والبحرين من جهة،

وبين قطر من جهة أخرى، ثم بدأت أفتش عن الطرق التي خَدع ويخدع بها الإعلام الناس، فبدأت أبحث حتى أعرف ما هي المغالطات التي تُستخدم في الإعلام، خصوصاً في هذه الأزمة، فحتى لو كانت كل المعطيات التي قدمتها بعض القنوات صحيحة، فمن الممكن للحجة التي تقدمها هذه القنوات أن تكون غير سليمة إذا كان المنطق المستخدم فيها غير سليم، تسمى هذه الحالة بالمغالطات المنطقية، يتم تمرير المغالطات علينا؛ لأننا لم نتكيف مع استخدام المنطق بكل دقة؛ لذا هناك فخاخ تُنصب لنا، ونقع في شَركها، فما هي هذه الفخاخ التي استخدمها الإعلام؟ إذا أردت أن تعرف هذه المغالطات، أكمل معي القراءة.

أولاً: التفسير عن طريق التسمية

هذه من أكثر المغالطات شيوعاً، وتستخدم لإقناع المتلقي بأن ما يُقال صحيح لمجرد أننا أطلقنا عليه اسماً ما أو صفةً ما، فعلى سبيل المثال، يقوم موظف بتفسير تصرفات زميله الذي يضايقه على أن زميله "حقود" دون معرفة الأسباب الحقيقية التي تقف وراء تصرفاته تلك، حصل هذا بكثرة في الإعلام العربي خصوصاً في هذه الأزمة، فعلى سبيل المثال القنوات والمواقع لم تقدم أي أدلة أو وثائق أو معلومات تفيد بدعم قطر للإرهاب، لكن ما قُدم فقط هو التسمية.

ثانياً: حدث بعده، إذاً هو سببه

مُررت هذه المغالطة، عندما تناول الإعلام العربي حادثة التسمم التي تعرض لها نازحون في مخيم الخازر في العراق، حصلت حادثة التسمم هذه في أوج الأزمة الخليجية بعد قطع العلاقات مع قطر، ولأن المنظمة قطرية فقد اُستغلت الحادثة لتبرير فرض الحصار على قطر، واستخدمت هذه الذريعة لإثبات أن قطر هي من تدعم وتمول الإرهاب، والدليل طبعاً ما حصل في حالة التسمم، مع أن هناك حوادث مماثلة حصلت في المخيمات.

ثالثاً: مغالطة إما هذا وإما ذاك

وهي عملية افتراض أن هناك اثنين فقط من البدائل مع أن الحقيقة تفيد بوجود أكثر، ، فعلى سبيل المثال برر الإعلام العربي قطع العلاقات مع قطر بسبب قربها من إيران، وافتعال هذا الموقف يفترض أن وجود علاقات دبلوماسية لقطر مع إيران يعني ابتعادها عن البيت الخليجي، وهذه مغالطة؛ لأن كل الدول التي قاطعت قطر لديها علاقات وسفراء في إيران، إذاً وجود علاقات لقطر مع إيران لا يعني بُعدها عن دول مجلس التعاون الخليجي، لكن الإعلام افترض هذه الفرضية حتى يمرر رسالته.

رابعاً: مغالطة عدم الترابط

تطلق عندما تكون نتيجة الحجة لا تنبع بالضرورة من المعطيات، أو بمعنى آخر النتيجة قد تكون صحيحة أو غير صحيحة، ولكن تكون الحجة غير سليمة؛ لأن هناك عدم ترابط بين المعطيات والنتيجة، وتجلى ذلك واضحاً في بعض الأخبار التي تناولتها قنوات الدول المقاطِعة، فأحد هذه الأخبار كان "البقر المستورد في قطر يعاني من الحرارة الشديدة، والنقص في الحليب". الخبر مأخوذ من رويترز، لكنه أُخرج من سياقه وقُدم بطريقة غير مترابطة تماماً؛ لأن الخبر يجعل القارئ يشعر أن عملية استيراد قطر للبقر لتعويض النقص باءت بالفشل، وبالتالي لن تقاوم قطر الحصار، لكن المتفحص للخبر يعرف تماماً أن اختلاف درجات الحرارة بين قطر وبين المكان الذي تم استيراد البقر منه يجعل أمراً كهذا طبييعاً، وربما هي مسألة وقت حتى يتعود البقر على الطقس الجديد، هذا إذا اقتنعنا أن يصلح هذا أن يكون خبراً أصلاً.

خامساً: مغالطة القناص

هي انتقاء البيانات التي تدعم الفرضية مع تجاهل البيانات التي لا تدعم الحجة، وقد تجلى هذا بكل وضوح في الحادثة الأولى التي سبقت التوتر الخليجي، وهي عملية اختراق وكالة الأنباء القطرية، فمثلاً تم نفي الخبر مباشرة من قِبَل قطر، لكن القنوات لم تعبأ بالتكذيب واستمرت بعرض الخبر الذي نشره المخترق، سميت هذه المغالطة على الذي يرمي الجدار بالبندقية ثم يرسم نقطة الهدف على موقع الرصاصة ثم يدعي بأنه قناص.

إلى جانب هذه المغالطات فقد اُستخدمت غيرها الكثير كمغالطة التعميمات البراقة، وهي عملية استخدام كلمات مؤثرة وبراقة، وغالباً جذابة عاطيفاً، ومغالطة استجداء العواطف وغيرها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.