المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

غسان خضر Headshot

أنا وأبي نبدو بالعُمر نفسه

تم النشر: تم التحديث:

تم تعييني مدرساً للغة الإنكليزية في إحدى الإعداديات، وكعادة المدرس الذي يتم تعيينه حديثاً، دخلت إلى الفصل مع "الرنّة" الأولى لجرس الدخول؛ لكسب كل الوقت. وكعادة الطلاب، يتأخرون قليلاً ولا يدخلون مع الوقت. وقفت على الباب بانتظار دخولهم وهم ينسابون إلى داخل الفصل، وأنا واقف أمام الباب أراقبهم وهم يطيلون النظر إلى شخص غريب يقف على باب فصلهم، وقد تغامزوا فيما بينهم عن الشخص الغريب، وبعضهم عرض عليَّ المساعدة علَّي قد ضللت طريقي، أحدهم بدأ يلاطفني، لكني عندما دخلت إلى الفصل فاجأتهم بأني مدرس اللغة الإنكليزية الجديد..

فوجئ البعض وأنكر البعض، فأنا كنت أبدو بعمرهم، ومظهري كان قريباً جداً من مظهرهم، لكني فيما بعد لم أجد صعوبة في أداء مهامّي كمدرس، فلم يكن تقارب أعمارنا الظاهري مشكلة في أن أكون مدرساً ويكونوا هم طلاباً.

هذا التقارب قد يتخذ أشكالاً أخرى في باقي المجالات، فقد لا يكون تقاربا له علاقة بالعمر، فمثلاً: التقارب بين الجندي والضابط ليس كما كان سابقاً، فهما يتبادلان النكات، ويضحكان معاً، وتكاد لا تجد فرقاً بينهما إن لم تركز في الرتبة العسكرية. هكذا، حدثني أحد الأصدقاء، والذي يتمتع بعلاقة تصل إلى أعلى درجات "الميانة" مع ضابطه في الجيش.

سنحاول في هذه السطور القليلة أن نبحث عن الأسباب التي جعلت التقارب بين الأعمار والاهتمامات يأخذ هذا الشكل، لا نجزم بأنه التفسير الأكثر ملاءمة، لكنها محاولة لفهم هذا التقارب.

أولاً: تقارب الاهتمامات

لا أحد يستطيع أن يعترض على فكرة تقول بأن جمهور ومتابعي مباريات كرة القدم، وخصوصاً الدوريات الأكثر شعبية ومُتابعة من كل الأجيال، الشباب والصبية وحتى العجائز. الكم الكبير من القنوات التي تنقل كل المباريات، وترصد كل ما يتعلق بها وتحلل، تجعل لدى الناس مساحة للتعبير عن آرائهم هم أيضاً، فالمعلومات التي تُضخ في القنوات تجعل كل فئات العمر لديها ما تشارك فيه مع غيرها، فضلاً عن الزخم البرامجي الذي يرصد كل تحركات اللاعبين ويتابع أخبارهم لحظة بلحظة، والأمر ينطبق على نجوم الغناء والتمثيل. ومن ثم، تكون أحداث كهذه مُقرِّبة للاهتمام بين الفئات العمرية، رئيساً ومرؤوساً، ما يقلل الفجوة العمرية بين الطرفين، ويجعلهم يبدون متقاربين جداً مهما اختلفت أعمارهم أو مناصبهم.

ثانياً: الـsocial media

النشاط الذي كنتَ تقوم به سابقاً؛ كحضورك مباراة فريقك المفضل في الملعب، أو زيارة قمة جبلية مرتفعة أو حضور مناسبة، نشاط كهذا كان سابقاً يذهب مع الريح، ولا يذكّرك به إلا صورة تذكارية داخل خزانتك. اليوم أصبح الوضع مختلفاً، فأنت تقوم بنشرها على حسابك في منصات التواصل الاجتماعي، وتجعلُ الناس يتفاعلون معها. وبطبيعة الحال، فإن أستاذك إن كنت طالباً، أو مديرك إن كنت موظفاً موجود في قائمة أصدقائك، وسيقوم بالتفاعل مع هذه الصور، هذا التفاعل يردم الفجوة الموجودة بينك وبينه، وتبدون كأنكم متقاربو الأعمار والاهتمامات.

ثالثاً: هوس الموضة

وسائل التواصل الاجتماعي روجت للصور الشخصية بطريقة لافتة، فجعلت الناس صغاراً وكباراً في سباق من أجل التقاط صورة؛ كي تُنشر وتحصل على أكبر قدر ممكن من "اللايكات"، والصور هذه روَّجت للموضة والتسابق على اقتناء الأحدث، ما جعل الناس تتسابق على الموضة، فلا تجد فرقاً كبيراً بين بنطال الطالب والأستاذ، أو المدير وموظفيه. أيضاً ومرة أخرى، تقارب الأزياء يعني تقارب الاهتمامات وتقارب الأشكال.

رابعاً: كمال الأجسام

‎لا نستطيع أن نقول: إن رواد نوادي كمال الأجسام يقصدون هذه النوادي بحثاً عن العقل السليم، الذي لا يستقر إلا في الجسم السليم، فظاهر هذه الرياضة أنها تعطي القوة لمزاوليها، لكن السواد الأعظم من الشباب و"الختايرة" يبحثون في هذه الرياضة عن جسم رشيق، وقوام يضاهي صور الشباب في الإعلانات التجارية، التي تروج لها شبكات التواصل.

خامساً: العولمة والتدافعية

يركز الكاتب العراقي الاجتماعي علي الوردي على قضية يسمعها هي "التدافعية"، ويقصد بها أن الناس في تدافع دائم من أجل المنافسة، والظهور بالمظهر الجميل أمام المجتمع. هذا التدافع، وبسبب العولمة والانفتاح على العالم، أسهم بمجموعة من المتغيرات في المجتمع، والتقارب واحد من هذه المتغيرات. لذلك، فإن هذا التقارب يعمل تغييرات داخل الأطر الاجتماعية وينقل المجتمع من طور إلى آخر، أي من طور الفرق بين الأجيال إلى تقاربها.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.