المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

غسان أبو العدوس  Headshot

واقع من ذكرياتنا وأيامنا ..

تم النشر: تم التحديث:

جياع وفقراء ومتسولون على حافة الرصيف الموازي لكل شوارعنا نراهم.. فإن ذهبنا للسوق نراهم، وإن جلسنا بحديقة عامة نراهم، وإن أخذنا أمتعتنا لنسافر نراهم، وإن رجعنا للوطن نراهم، وإن أغلقنا على أنفسنا نراهم في زاويات الصحف الإلكترونية..

إذاً فإننا نراهم في كل مكان، ولا يوجد مكان لا تخلو منه هذه الشخصيات، فهل يا ترى من فعل بهم هذا الشيء أهو الحاجة أم الجهل بالوصول لما يريدونه، أم هو تجارة أصبحت كمظهر يتاجر به في الشوارع؟

نكون حائرين ونحن نتجول مع أنفسنا في شوارع مدينتا أو مخيمنا أو قريتنا ونحن نفكر دائماً وأبداً في الأمل الذي لا ينقطع للوصول إلى أهدافنا التي نسعى دائماً وأبداً للوصول إليها والمحافظة عليها والعمل على استمراريتها، هنا يكون النجاح فعلياً وليس الوصول فقط.. فنشكر الله على ما أوصلنا إليه على جميع مستويات في هذه الحياة.. فالذي منع كل شخص يقرأ هذا المقال من التواجد على حافة شارع أو رصيف أو باب مطعم هو الأمل الذي جعلنا نقول ليست هنا النهاية، فعلينا أن نثابر للوصول إلى ما نريده.

ولكن ما أوصل هؤلاء الناس لما هم عليه الآن هو انقطاع الأمل في أن تكون حياتهم ذات هدف قيّم ومبادئ لا تنكسر مهما كانت الظروف صعبة.

هذا الكلام يجعلني أقف افتخاراً وإجلالاً للمكان الذي ترعرعت فيه، وهو المخيم الذي علمني أجمل القيم والمبادئ في حب الناس والتواصل الدائم وعدم اليأس والرضوخ لما هو يائس في تلك الفترة، فكان هذا المخيم بستاناً كبيراً يوجد فيه الخير والشر، ويوجد به العالم والدكتور والمهندس والطيار، ويوجد به كذلك أسوأ الأشخاص ومع كل هذه التناقضات في داخل البيئة التي عشتها وعاشها كثيرون غيري سواء في مخيم أم في منطقة أخرى تتمتع بالحسّ الشعبي الأصيل.. لم نفقد الأمل أبداً بأن هذه الحياة ستمنحنا كل ما نتمناه، ولكن على طريقتها هي وليست على طريقتنا، فجعلت أمامنا كثيراً من العواقب لكل طموح نتوجه إليه، فصنعت منا رجالاً قادرين على تحمل المسؤوليات تجاه الآخرين وتجاه المقربين وتجاه من نحب فيها.

وفي كل خطوة كنا نخطوها للأمام تجاه أهدافنا كانت العواقب تُزال بعد كل كربة من كربات هذه الحياة، فلا نضعف أبداً ونكون أقوياء وأشد من ذي قبل، ومازالت الحياة أمامنا طويلة - إن شاء الله لها ذلك - وإن لم يشأ الله أن تكون حياتنا طويلة فنشكره على ما عشناه منها، سواء الجميل منها أم السيئ فيها؛ لأننا في هذه الحياة يكون مثلنا كمثل رجل يحمل على أكتافه متاع السفر وينتظر قرب موعد الطائرة للإقلاع.

والمتاع الذي يجب أن نحمله دائماً على أكتافنا هو عملنا الصالح في هذه الحياة التي لطالما أعطتنا كثيراً مما نتمناه وأخذت كثيراً مما لم نكن نتمناه أن يفترق عنا، ومع كل هذه العواقب التي واجهت الكثير منا لابد أن نعترف بأن الشخص يمكنه أن يكون سيئاً ويمكنه أن يكون فيه الخير، إذا كان هو الراسم لمسار صحيح يمشي عليه وواضح المعالم؛ كي يصل بالنهاية إلى رصيف بر الأمان وليس إلى رصيف الشارع العام.. وتكون يده ممدودة بالتبرير بأنه بحاجة لأن الذي هو بحاجة فعلاً لا يمكنه أن يمد يده لأحد حتى لو مات وحيداً.

بالنهاية عشقنا هذه الحياة التي جعلت منا أناساً مميزين، نستطيع أن نعبر عن ما يدور بداخلنا وبواقعنا بكل شفافية وواقعية ومصداقية عالية تجاه مَنْ نحب أن نراهم بوضع أفضل مما هم عليه الآن، وأن نتحدث عنهم في كل وقت وفي كل زمان ومكان لأنهم بالنهاية جزء لا يتجزأ منا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.