المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Ghandi Antar Headshot

التحالف الاستراتيجي بين تركيا والسعودية: الأبعاد والآفاق

تم النشر: تم التحديث:

شهدت العلاقات السعودية التركية خلال العام 2015 تطوراً كبيراً على عدة مستويات أهمها السياسي الذي تحول فيه البلدان من علاقة التعاون إلى علاقة التنسيق الاستراتيجي، فبعد رحيل الملك عبدالله بن عبدالعزيز اعتبر خلفه الملك سلمان أن هناك تطابقا كبيرا في المصالح الاستراتيجية بين الرياض وأنقرة خاصة فيما يتعلق بتوافق الرؤى تجاه الأزمة السورية، ما دفعه إلى استغلال هذا التلاقي الكبير في مصالح البلدين والدفع في اتجاه تعظيمها وتحويلها إلى تحالف إستراتيجي، وهو تم الإعلان عنه في زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى السعودية نهاية ديسمبر 2015 .
تسعى هذه الورقة إلى البحث في تطورات هذه العلاقة وأبعادها وآفاقها، وذلك من خلال المحاور التالية:

المحور الأول: مؤشرات تطور العلاقات الثنائية:

أولاً: تطورات العلاقات الاقتصادية:

مرت العلاقات بين المملكة العربية السعودية وتركيا، بمراحل تطور عديدة، ولكن برزت قوة العلاقة بين البلدين مع وصول حزب العدالة والتنمية الإسلامي إلى سدة الحاكم في تركيا عام 2002، بسبب انفتاح تركيا بشكل كبير على محيطها العربي والاقليمي والاستفادة من الروابط الدينية والفكرية مع الدول الإسلامية. الزيارة التي قام بها الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، إلى تركيا في أغسطس 2006 كانت نقطة انطلاقة حقيقية، اذ نتج عن الزيارة التوقيع على 6 اتفاقيات ثنائية بين الرياض وأنقرة، كلها في المجال الاقتصادي.

واقتصاديا أيضاً، يولي البلدان اهتماماً واضحاً لوضع مسيرة التعاون والتبادل التجاري، فتركيا لديها خطة لإيصال الناتج القومي إلى 2 تريليون دولار، في 2023، بينما تطمح السعودية إلى تقليل اعتمادها الاقتصادي على عائدات النفط بتنويع الصادرات في مجالات أخرى، كما أن الفرصة بين البلدين متاحة ومؤهلة للتعاون الاقتصادي في مجالات الطاقة والاستثمار.

وقد زاد حجم التبادل التجاري بين الدولتين عدة مرات خلال السنوات العشر الأخيرة حيث ارتفع من (1.5) مليار دولار عام 2006، إلى (5) مليارات دولار في العام 2014، ووصل في 2015 إلى نحو 6 مليارات دولار(2).

ثانياً: تطورات العلاقات العسكرية:

وقعت تركيا والسعودية في يوليو 2015 اتفاقية عسكرية عبر شركة "أسلسان" للصناعات الدفاعية التركية مع السعودية ممثلة في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية وشركة تقنية الدفاع، لتوريد الاسلحة والذخائر إلى السعودية لتعويض النقص الذي تعرضت له المملكة عقب عملية عاصفة الحزم بحكم أن الجيشين التركي والسعودي يستخدمان أسلحة متشابهة.

كما أبدت السعودية رغبتها في التعاون بمجال التصنيع العسكري، وبالفعل تعاقدت وزارة الدفاع السعودية مع شركات تركية لتصليح وتحديث عربات مصفحة كما أن هناك مجالا كبيرا للتعاون بين البلدين في تصنيع الذخائر والصناعة البحرية والطائرات من دون طيار3.

وشهدت زيارة الرئيس التركي إلى السعودية (ديسمبر 2015) توقيع عدة اتفاقات في مجال التسليح كان أبرزها صفقة شراء العربات المصفحة والتي وصلت قيمتها إلى 2.5 مليار دولار ومن المتوقع أن تصل إلى 10 مليارات دولار خلال السنوات الخمس القادمة4.

المحور الثاني: أسباب ودوافع تطور العلاقات:

هناك العديد من الأسباب والاعتبارات التي تقف خلف تطور العلاقات خلال العام الأخير، من بينها:

1ـ دور العامل الإيراني:

على الجانب السعودى:

ترتبط المملكة بعلاقات صراعية مع إيران، للعديد من الاعتبارات السياسية والمذهبية والاستراتيجية، وأصبح الصراع سياسياً بامتياز، عقب سقوط نظام صدام حسين في العراق عام 2003، والذي أطلق يد إيران بقوة في الداخل العراقي بالتنسيق مع الإدارة الإميركية التي، كانت تسعى للخروج الآمن من العراق وملء الفراغ الإقليمي الذي خلفه سقوط النظام العراقي، فكانت الفرصة سانحة لإيران لفرض سيطرتها بشكل كبير على العراق ومنازعة الغريم التقليدي (السعودية) النفوذ في منطقة الخليج.

أيضا التسوية النووية التي تم التوصل إليها بين إيران والقوى الغربية حول ملف طهران النووي في يوليو2015، والتي بموجبها سيتم رفع الحظر الاقتصادي الغربي عن إيران ودخولها بقوة في عصر الانفتاح على القوى الغربية، إضافة إلى التساهل الأميركي حيال إيران اثناء التفاوض حول النووي، أثار ذلك مخاوف الرياض من تحول الولايات المتحدة الأميركية للبحث عن حليف استراتيجي آخر في المنطقة وربما يكون هذا الحليف هو إيران، والتخلى عن الحلفاء الاساسيين في دول الخليج، وقد دفع ذلك الرياض للبحث عن حليف إقليمي قوي يعيد التفوق في المنطقة إلى السعودية، فمن أجل ذلك ربما اتجهت السعودية إلى التقارب الشديد تجاه تركيا التي تمثل إلى حد كبير داعما قويا للقضايا العربية والإسلامية المتوافقة مع السياسة السعودية في الفترة الأخيرة.

على الجانب التركي:

هناك قلق تركي كبير من تنامي النفوذ الإيراني في العراق الجار القريب لتركيا والتي تمثل لها قنبلة موقوتة خاصة فيما يتعلق باقليم كردستان العراق الذي يعد عمقا استراتجياً لتركيا، والذي تسعى أنقرة بشكل كبير أن يظل الاقليم تحت سيطرتها مخافة اندماج بعض أكراد تركيا مع الإقليم العراقي ومن ثم تدشين لنواة دولة كردية جنوب تركيا وهو ما ترفضه أنقرة دوماً، كذلك التطور الأخير في موقف الحكومة العراقية من القوات التركية المتواجدة في العراق وتكرار طلب حكومة العبادي بانسحاب القوات التركية المتمركزة في شمال العراق في معسكر "معشوقية" والتي ترى أنقرة أن إيران هي من تقف خلف هذا التصعيد في الموقف العراقي حيال تركيا خاصة لما تتمتع به طهران بنفوذ شديد داخل حكومة العبادي5.

2ـ الملف السوري

تتوافق السياسة السعودية مع نظريتها التركية بشكل كبير في هذا الملف خاصة في الموقف من رحيل بشار الأسد عن السلطة وعدم وجود أي دور له في مستقبل سوريا، لاسيما بعد صدور قرار مجلس الأمن حول سوريا والذي نص على وجود فترة انتقالية تصل إلى عام ونصف، لكن القرار لم يتحدث عن مصير الأسد، مما فتح باب التكهنات حول فرض الأجندة الإيرانية والروسية على مستقبل العملية السياسية في سوريا، خاصة بعد التدخل العسكري الروسي منذ نهاية سبتمبر 2015، على الأرض والذي قوى موقف النظام السوري، بعد الخسائر العديدة التي منى بها من قبل المعارضة المسلحة.

فكلا الطرفين السعودي والتركي يضع في أولوياته حول الملف السوري، لابد من رحيل بشار الأسد عن سوريا إما بالخيار السياسي أو العسكري، وكذلك التوافق بين البدلين حول انشاء المنطقة الآمنة شمال سوريا والتي تسعى إليها تركيا بشكل كبير لجعلها ملاذا آمناً للمعارضة السورية، وأيضا الحديث عن رغبة تركيا بشن عملية عسكرية شمال سوريا للقضاء على أعضاء تنظيم الدولة الإسلامية وعدم السماح لعناصر قوات حزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا بالعبور إلى غرب نهر الفرات، وهي قوات مدعومة بغطاء جوي روسي قد تحاول عبور النهر وتطهير منطقة (جرابلس) ، فهذه العملية بالاساس تحتاج إلى دعم وتحرك عربي وأمريكي ، فالولايات المتحدة لا تمانع قيام أنقرة بمثل هذه الخطوة، وكذلك التحالف الاسترايجي مع الرياض سيوفر لها الحركة عربياً في المضي قدماً في هذه الخطة6 .

3ـ حرب اليمن

رغم مرور نحو عشرة أشهر على عملية عاصفة الحزم التي تقودها السعودية وحلفاؤها ضد جماعة أنصار الله الحوثية وأنصار الرئيس اليمني المخلوع على عبد الله صالح (منذ مارس 2015)، لم تحسم المعركة حتى الآن ولا زالت حالات الكر والفر بين السعودية والحوثيين تحدث بشكل مستمر، مما أطال عمر المعركة ومن ثم أثر بالسلب على سمعة المملكة في الأوساط العربية وأظهر وكأن السعودية قد تورطت في المستنقع اليمني، فهذا التحالف قد يدعم بشكل كبير السعودية في مواجهة الحوثيين حتى وإن لم تعلن أنقرة مشاركتها في عاصفة الحزم، لكن نتيجة هذا التحالف سيكون هناك تنسيق كبير في المجال الاستخباراتي بين البلدين، وكذلك تزويد الجيش السعودي بالذخائر المصنعة في تركيا نظراً لكون تسليح الجيش السعودي قريب جداً من نظيره التركي.

4ـ تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)

تعد محاربة تنظيم الدولة الاسلامية "داعش" من أهم الاولويات عند البلدين، فتركيا تعرضت خلال العام الأخير 2015، إلى عدة هجمات من قبل تنظيم داعش كما شنت حملات أمنية كبيرة على أعضاء التنظيم، اعتقلت من خلالها المئات من عناصره في المحافظات والمدن التركية، أيضا السعودية هي الأخرى تعرضت لعدة هجمات استهدفت مساجداً للشيعة في المنطقة الشرقية، من قبل عناصر تنظيم الدولة، ومن ثم يأتي التنسيق الأمني والاستخباراتي بين البلدين في مرتبة متقدمة لمحاصرة أعضاء التنظيم وتضييق الخناق عليه، فتركيا لديها جهاز استخباراتي على درجة عالية من الكفاءة والمهنية كما أنها تمسك بخيوط التنظيم في سوريا ولديها معلومات قوية عن عناصره وأماكن تواجدهم، وبهذا التعاون تتصاعد فعالية الدولتين في مواجهة التنظيم.

5ـ الأزمة الروسية التركية

أدى حادث اسقاط تركيا لمقاتلة روسية بعد اختراقها الأجواء التركية لأزمة بين البلدين كان لها أثر كبير على تركيا، خاصة وأن روسيا صعدت الموقف بشكل كبير واعتبرت أن هذا التصرف التركي لن يمر دون عقاب، فكان أول ردود الفعل الروسية، حظر المنتجات التركية ووقف تصدير الغاز إلى تركيا والذي يمثل لها نحو60% من احتياجاتها في مجالات الطاقة، كذلك عمدت روسيا إلى محاصرة تركيا سياسياً خاصة فيما يتعلق بالوضع في سوريا ومحاولة فرض الأجندة الروسية الإيرانية على تركيا فيما يتعلق بالتسوية السياسية حول مستقبل رئيس النظام السوري بشار الأسد، ومن هنا فرضت الأزمة تعظيم التعاون مع السعودية لكسر حالة العزلة التي حاولت روسيا فرضها على تركيا، وكذلك البحث عن بدائل لتوريد الطاقة في ظل توافر النفط والغاز لدى الممكلة العربية السعودية.

6ـ انخفاض أسعار النفط

أدى انخفاض أسعار النفط لتطلع الرياض للاستثمار في مجالات أخرى والبحث عن بدائل كمجالات العقار والبناء والتي تمتلك الشركات التركية خبرة عالمية واسعة فيها، وكذلك سهولة استقطاب المستثمرين السعوديين لتركيا في ظل التعاون بين البلدين مما يساهم في تحقيق أهداف استراتيجية كبيرة بينهما خاصة في ظل وصول حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى نحو 6 مليارات دولار، ووجود قرابة 480 شركة استثمارية سعودية بتركيا.

المحور الثالث: السيناريوهات المستقبلية المتوقعة:

السيناريو الأول: زيادة التعاون

نظراً لحالة التشكل التي تمر بها المنطقة في الفترة الأخيرة خاصة مع التدخل الروسي بقوة في الأوضاع في سوريا والذي أدى بدوره إلى تحقيق بعض المكاسب على الأرض لصالح نظام بشار الأسد، وكذلك زيادة التوتر بين إيران والسعودية عقب قطع العلاقات بين البلدين، على خلفية إعدام رجل الدين الشيعي السعودي نمر النمر بتهم الإرهاب، يتجه الطرفان لتعظيم التعاون الإستراتيجي بينها والوصول إلى أقصى درجات التعاون، لحاجة الطرفين لهذا التحالف والبقاء عليه7.

مبررات هذا السيناريو:

1ـ حل الأزمة السورية: كل من الرياض وأنقرة يضع الخلاص من بشار الأسد وحل الأزمة السورية بما يحقق أهدافه على أجنده الأولويات، ومن ثم يعد هذا المتغير أحد العوامل الأساسية التي تساعد في الدفع تجاه زيادة التعاون بين البلدين والبقاء عليه. وقد بدأ التعاون الاستراتيجي السعودي التركي منذ أشهر، بالتعاون مع قطر وتنسيق مواقفهم السياسية القائمة على رحيل الأسد، ومقررات جنيف 1، والدفع بهذا الاتجاه سياسياً وعسكرياً، فيما يعد قطع أي خط رجوع في هذه المسألة. لذا يقرأ متابعون مجلس التعاون الاستراتيجي السعودي ـ التركي، باعتباره تأسيساً على التعاون القائم بين البلدَين منذ أشهر على الساحة السورية، لا سيما بعد دخول الجانب الروسي على الخط، وإسقاط تركيا لمقاتلة روسية اخترقت أجواءها. فأصبحت المعركة تتجاوز الثورة السورية، لتتحول إلى صراعات إقليمية أوسع، بحاجة لبناء تحالفات أكبر8.

2ـ رغبة تركيا في الانتفتاح على العرب: تقوم السياسة الخارجية التركية بعد وصول حزب العدالة والتنمية الحاكم على الانفتاح على المحيط العربي والإسلامي للروابط التاريخية والايدلوجية التي تربط أنقرة بهذا المحيط، ومن ثم ترى تركيا أن المملكة العربية السعودية، تعد المدخل المناسب للعالم العربي، لكونها الدولة الاكثر استقراراً والتي تتمتع بنفوذ كبير في المنطقة العربية بعد تدهور الاوضاع في الدولة العربية التي كانت تمثل قوة إقليمة كبرى مثل مصر والعراق، فمن ثم يعد هذا المحور من العوامل الرئيسة التي تعزز فكرة زيادة التحالف.

3ـ الاتفاق النووي الإيراني مع الغرب: كان التوصل إلى اتفاق بين الغرب وإيران مؤشراً مهماً للساسة السعوديين في الرغبة في البحث عن حليف قوى في المنطقة يعيد التوازن بين إيران والدول العربية خاصة بعد تأكيدات الرئيس الأميركي بارك أوباما في قمة كامب ديفيد الخليجية التي عقدت في مايو 2015، بحضور ممثلين عن دول مجلس التعاون الخليجي الست، على رغبة الولايات المتحدة ، بشكل واضح، بالتخلي عن مواجهة التمدّد الإيراني في المنطقة، وترك هذا الدور لدول المنطقة.

4ـ قطع العلاقات الدبلوماسية بين ايران والسعودية: رغم أن الإعلان عن التعاون الاستراتيجي بين السعودية وتركيا جاء قبل زيادة التوتر بين الرياض وطهران على خلفية إعدام السعودية لرجل الدين الشيعي نمر النمر، إلا أن هذا التطور السريع في المشهد الاقليمي يبرر حاجة السعودية إلى زيادة وتعظيم هذا التعاون مع تركيا، لكونها الدولة السنية الأكبر والأقوى في المنطقة.

معوقات هذا السيناريو:

1ـ الخلاف المصري التركي: هناك تباين كبير في وجهات النظر بين الرياض وأنقرة حول الملف المصري خاصة مع تمسك أنقرة بموقفها بشأن الاعتراف بشرعية عبدالفتاح السيسي قبل الشروط الأربعة والتي يعد من أبزرها الافراج عن الرئيس محمد مرسي والافراج عن كل المعتقلين السياسيين، وعلى الطرف الآخر تقدم الرياض الدعم السياسي والاقتصادي للنظام المصري، منذ الانقلاب العسكري، وهذا التباين قد يشكل عقبة كبرى في طريق زيادة التعاون الاستراتيجي بين أنقرة والرياض، خاصة مع زيادة الحديث عن قيام الرياض بدور كبير من أجل توفيق وجهات النظر بين القاهرة وأنقرة لتحقيق مصالحة بينهما، لكن حتى ذلك الحين يظل هذا الملف عائقاً بين ووصول التعاون الاسترايجي إلى غايته.

إن علاقة السعودية بمصر استراتيجية وتحالفية والرياض متمسكة بدعم مصر، بالرغم من عدم الارتياح إلى مواقف القاهرة تجاه سوريا، أو ترددها في المغامرة في اليمن، أو ما يراه البعض ضعفاً في دورها في الحلف الإسلامي ضد الإرهاب.

ومصر من جهتها، تقدّر الدعم السعودي والإماراتي والكويتي الذي لا غنى عنه بالرغم من استيائها من التوقعات الخليجية منها، ومن اضطرارها إلى التخلي مرحلياً عن موقع القيادة العربية، ففي نهاية المطاف تدرك الرياض أن مصر حيوية ومركزية ولا بديل منها في موازين القوى الإقليمية. ولكن مع إنشاء الحلف الاستراتيجي السعودي- التركي، تتساءل مصر أين هي في ذلك الحلف؟ وكيف سيتم التوفيق بينه وبين موقعها في الوضع الاستراتيجي في موازين القوى الإقليمية؟ وترد السعودية بأنه لا تناقض بين الاثنين، والدليل هو الالتزام باستمرار العلاقة السعودية التحالفية بفعالية. والواضح أن هناك حاجة لحديث معمّق بين الدولتين العربيتين الكبيرتين لإيضاحات ضرورية لتنسيق المواقف والسياسات. و من الواضح أن الطرفين السعودي و التركي قد قررا، مؤقتا على الأقل، وضع الملف المصري جانبا ليقرر كل طرف موقفه حياله دون أن يشكل ذلك عائقا أمام العلاقة بين البلدين في ضوء اتفاقهما حول جميع القضايا الأخرى.

2ـ الأزمة الكردية: نأت المملكة العربية السعودية بنفسها عن التدخل في الأزمة بين الأكراد الذين يسعون إلى الاعلان عن دولة تجمع شملهم وهو ما ترفضه أنقرة وتعتبره من المحرمات السياسية، ودخول الرياض فى تحالف مع أنقرة سيدفعها لتحديد موقفها من هذه الجماعات، وهل سيتم وضعها على قوائم الإرهاب رغم عدم وجود أى خلاف بين الأكراد والسعودية، أم أن الرياض ستتعامل بشكل برجماتي مع هذا الملف مما يجعل أنقرة تغض الطرف عن هذا المحور من أجل الوصول إلى أعلى درجات التعاون بينهما9 .

3ـ العلاقات بين روسيا والسعودية: البرجماتية التي تتبناها حالياً الدبلوماسية السعودية أدت بالرياض إلى فتح صفحة عملية مع موسكو -بالرغم من الاختلافات العميقة في الشأن السوري- تمثلت في التوافق على "عملية فيينا التي أتت بإيران إلى طاولة البحث في مستقبل سورية في خضم التوتر الروسي- التركي مع الحرص الكامل على عدم اختلاق عداء مع موسكو، الأمر الذي ربما يعد عائقاً كبيراً للتحالف مع تركيا لاسيما في ظل توتر العلاقات بين أنقرة وموسكو ووصولها إلى حد القطيعة10.

السيناريو الثاني: تراجع التعاون

يستند هذا السيناريو إلى أن هناك اختلاف في بعض الملفات المهمة والحيوية بين البلدين وحتى اذا ما تم التوافق بينهما حول عدة قضايا ستظل بعض هذه الملفات تمثل هاجساً للعودة إلى نقطة البداية بين الطرفين وتراجع التعاون بينهما، ومن هذه الملفات:

1ـ ملف الإخوان المسلمين: حيث يمثل ملف الإخوان المسلمين ووضع الجماعة من قبل السعودية على قوائم الإرهاب، والتي تعد المرجعية الفكرية للحزب الحاكم في تركيا عقبة كبرى أمام استمرار التحالف بين الرياض وأنقرة، فرغم حالة التقارب بين الاسلاميين في اليمن وبين نظام الحكم في الرياض منذ وصول الملك سلمان إلى الحكم في مطلع عام 2015، إلا أن الجماعة مازلت محظورة وبين الحين والأخر يتم التضييق على أفرادها بشكل كبير في الداخل السعودي، أيضاً الرغبة السعودية في استمرار الدعم للنظام المصري الحاكم الذي ترفض أنقرة الاعتراف به، هو الأخر يعد سبباً مهماً في تباين وجهات النظر بين البلدين ويهدد بتراجع التعاون في الفترة المقبلة.

2ـ الحرب في اليمن: لا ترى أنقرة أن لها مصالح حيوية في الحرب التي تتزعمها السعودية في اليمن، ضد مسلحي الحوثي وأنصار الرئيس اليمني المخلوع على عبدالله صالح، وتعتبرها الرياض، حربها الأهم للقضاء على نفوذ إيران في الجار اليمني القريب، فمنذ اليوم الأول للاعلان عن عملية عاصفة الحزم في مارس 2015، قالت تركيا إنها لن تشارك عسكريا في هذه الحرب لكنها ستقدم الدعم اللوجيستي للسعودية فيها، وطبقاً لهذا التعاون بين البلدين ستكون هناك رغبة سعودية ماسة لمشاركة تركيا بشكل أكبر في التخلص من هذه الأزمة وهو ما يمكن أن يتعارض مع التوجهات التركية.

السيناريو الثالث: بقاء الوضع عند الحدود الدنيا:

يستند هذا التصور على فكرة بقاء العلاقات بين البلدين في مستوى الأدني من التعاون مع الحفاظ على التعاون في الملفات ذات العلاقة القوية ، التي تتطابق فيها وجهات النظر بين البلدين مثل الأزمة السورية والتدخل الإيراني في العراق ، أما الموضوعات التي يمثل الحديث فيها حساسية مثل الأزمة المصرية التركية، او العلاقة بين روسيا والسعودية في ظل تدهورها مع أنقرة، والعمل على قاعدة المصالح في المقام الأول، ومن الأسباب

التي تدفع لمثل هذا السيناريو:

1ـ البرجماتية السياسية: فالحالة التى يمر بها الإقليم تفرض على الأطراف المهمة كالسعودية وتركيا حتمية التحالف حتى ولو على المستوى المتدني نظراً لتداخل الملفات بشكل كبير، وسعى كل طرف إلى تعظيم مصالحه دون التأثير على مصالح الطرف الأخر والتدخل في شؤونه، فالسعودية نجحت في أن تتعامل مع روسيا وتجبرها على الجلوس على طاولة المفاوضات فيما يخص سوريا رغم تباين وجهات النظر بشكل كبير بينهما في ذات الملف، وأيضا تتعامل تركيا في الحدود التي تعظم مصالحها مع إيران رغم الخلاف القائم بين الرياض وأنقرة.

السيناريو الأرجح:

من خلال استعراض السيناريوهات المختلفة، تُرجح الورقة أن يكون السيناريو الأول والمتعلق بزيادة التعاون في الفترة المقبلة هو الأقرب للتحقيق وذلك بسبب حاجة الطرفين بشكل كبير إلى هذا التعاون للأسباب السالف ذكرها، ثم يأتي سيناريو التعاون في الحدود الدنيا في المرتبة الثانية، بسبب الاختلاف في بعض القضايا بين البلدين، ولاسيما مصر والإخوان المسلمين، كما تستبعد الورقة السيناريو المتعلق بتراجع التعاون، وذلك للظروف الإقليمية والدولية التى تفرض على الطرفين حتمية التعاون.

خلاصات تنفيذية

الإخوان المسلمون:

استغلال حالة التعاون التركي في فك ارتباط السعودية بنظام السيسي وضمها إلى حلف تركيا - قطر - جماعات الإسلام السياسي.

توثيق الصلات مع نظام الملك سلمان عن طريق استخدام علاقات حركة حماس القوية والنظام التركي بالقيادة السعودية، وإرسال تطمينات بشكل كبير لنظام الحكم السعودي والتأكيد على عدم منازعة السعودية على قيادة العالم الإسلامي أو السعي إلى تغيير نظام الحكم في الرياض.

المشاركة الفعالة في حل الأزمة اليمنية عن طريق امتلاك جماعة الإصلاح لزمام الأمور في اليمن، من أجل القضاء على الحوثيين ومن ثم هيمنة الإصلاح على الأوضاع الداخلية واعتبرها معادلة صعبة في البلاد لا يمكن تجاوزها.

إحداث حراك نوعي وفعال في مصر خلال الأيام القادمة خاصة وأنها تزامن انطلاق ثورة 25 يناير، بما يضمن تغيير موازين القوة على الأرض لصالح الثوار، من أجل دعم حلفاء الاخوان مثل قطر وتركيا بشكل قوي عند الحديث عن المصالحة مع النظام المصري، فيما يجبر حلفاء السيسي على التخلى عنه او على الأقل تقليل الدعم السياسي والمادي المقدم له.

2ـ صانع القرار السعودي:

تعظيم التحالف مع تركيا، لحاجة الرياض إليه سواءً اقتصادياً في ظل التدهور الكبير في أسعار النفط، وكذلك سياسياً في ظل عدم وجود حليف عربي قوي، لكسر الهيمنة الإيرانية وتكوين تكتل سني قوي يدعم مشروع المذهب في المنطقة.

التدخل بشكل فعال لحل الأزمة بين مصر وتركيا على قاعدة تحقيق مصالح الطرفين، لحاجة المنطقة إلى الدور المصري الذي يمثل إضافة قوية إلى المشروع السني في حال وجدت الإرادة لذلك.

احتضان التيار الإسلامي الوسطي المتمثل في جماعة الإخوان المسلمين لمجابهة الأفكار الإسلامية المتطرفة "مثل داعش والقاعدة" ورفع اسم الجماعة من قوائم الإرهاب من أجل تحقيق توزان كبير في المنطقة في ظل تغلل إيران في الدول العربية.

لعب دور القوة الإقليمية العربية المهمة بالتعاون مع تركيا من أجل قيادة العالم السني وذلك للمكانة الدينية الرمزية التي تتمتع بها السعودية في الأوساط الإسلامية.

اطلاق الحريات في الداخل السعودي بشكل متدرج يضمن زيادة التحام الشعب السعودي خلف القيادة في الفترة المقبلة للحاجة إلى ذلك بسب تورط السعودية في ملفات عديدة.

3ـ صانع القرار التركي:

العمل على تعظيم التحالف مع الرياض بشكل كبير في الفترة المقبلة لانها تعد بوابة دخول تركيا للعالم العربي ما يضمن لها الفعالية في قيادة العالمين العربي والإسلامي.
زيادة التعاون الاقتصادي مع الدول العربية التي تمثل عمق استراتيجي قوي لأنقرة وفي نفس الوقت ايجاد بديل للاسواق التركية بعد، الأزمة مع روسيا.

الانفتاح بشكل أكبر على الدول الإسلامية السنية الكبرى الأخرى مثل أندونسيا وباكستان وماليزيا، وتفعيل منظمة التعاون الإسلامي بقيادة الدول الفاعلة كتركيا والسعودية.

البعد عن القضايا الخلافية التي تثير غضب السعودية مثل الحديث عن الحريات في الداخل السعودي، والقضايا المتعلقة بنظام الحكم، في إطار من ترتيب الأولويات، ولأن هناك قضايا أكثر الحاحاً، وتجنب الصدام المباشر مع السعودية في هذه القضايا، خاصة وأن التحديات التي تواجه الدولتين معاً أكبر من قدراتهما معاً، وإن كان هذا لا يعني التأكيد على الثوابت القيمية في السياسة الخارجية، وإعلان مواقف واضحة في الأمور التي تفرض ذلك.

محاولة ضم أطراف عربية أخرى تتمتع بقبول عند السعودية إلى هذا التحالف مما يعطي زخماً قوياً له، مثل قطر والسودان ومصر إذا ما قبلت بالشروط التركية.

التنسيق بشكل أكبر بينها وبين الرياض في دعم المعارضة السورية المسلحة الموالية لهما على الأرض لتحجيم نفوذ إيران وحزب الله في سوريا.

هذه المادة منشورة عن المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.