المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

غمدان الزعيتري Headshot

نكسة الصحوة الإسلامية في القرن الواحد والعشرين

تم النشر: تم التحديث:

عمل الإسلاميون المعاصرون منذ البداية على استخدام مصطلح الجهاد للتعبير عن آرائهم ونظرتهم لشكل الدولة، أو ما تسمى الخلافة في ثمانينات القرن الماضي، ووقفت دول إقليمية عوناً لهم لتصفية حساباتها.. وعلى سبيل المثال الحرب في أفغانستان، والدعم الأميركي للمجاهدين هناك، والعمل على سقوط الاتحاد السوفييتي، وعمل شيوخ تلك الحقبة على إصدار الفتاوى الجهادية، وتهييج العالم العربي والإسلامي على دولة الإلحاد -الاتحاد السوفييتي- كما كانت تسمى في ذلك الوقت، وكانت النتيجة في النهاية تفكك الاتحاد السوفييتي، ودخول أفغانستان حقبة اللادولة، وتقاتلَ مجاهدو الأمس بينهم، وخسرت أفغانستان خيرة رجالاتها، ولم يعُد شكل الدولة الحقيقية حتى الآن.

وبعد تلك المرحلة تزايد عمل الكثير من الحركات الإسلامية على الابتعاد عن فكرة الجهاد كمنطلق لتغيير الأنظمة السياسية، وقامت بارتداء عباءة الديمقراطية والانتخابات، ونافست في أول تجربة لها في الوطن العربي، وكان ذلك في الجزائر، وحصدت المكاسب السياسية، ورأت أن العمل السياسي أداة للتغيير، وليس الجهاد والاقتتال، لكن التجربة اصطدمت مع إرث عسكري ديكتاتوري فاسد، قام بذبح تلك التجربة، ودخلت الجزائر في عشرية سوداء لم تتعافَ منها حتى الآن.

ومع بداية القرن الواحد والعشرين بدأت الشعوب، ومعهم الإسلاميون، بزعزعة عروش الديكتاتورية العربية في أكثر من بلد، وباستخدام نفس الأدوات التي يتشدق بها حكام ذلك الوقت، فقد سعى الإسلاميون في اليمن إلى أن يكونوا في المشهد السياسي منذ إعلان التعددية السياسية في عام 1990، ولكنهم وفي بداية الألفية الجديدة اصطدموا مع مشروع صالح التوريثي، الذي انتهى مع انطلاقة ثورة شعبية شبابية في عام 2011؛ حيث ما زالت أصوات البنادق مرتفعة هناك حتى الآن.

وبينما سعى جناح من الإسلاميين إلى الاندماج والتحول الديمقراطي والاعتدال، إلا أن جناحاً آخر كان يصول ويجول في حرب عالمية تم إعلانها في 11 سبتمبر/أيلول 2001م، ورسم طريقاً جديداً من الجهاد الذي طرق أبواب العالم كله، ووضع المسلمين في دائرة الشك والاتهام والمعاناة حتى وقتنا الحالي.

تلك الصحوة الإسلامية التي بدأت في ثمانينات القرن العشرين، والقواعد التي وضعتها للتمكين والحاكمية، كما تطرق إليها سيد قطب في كتاباته، بدأت تتلاشى، وتنتكس بعدة عوامل منها:

1- اتساع بقعة الجماعات الإسلامية المتطرفة في العالم السني، ووجود حواضن لها، وخصوصاً بعد سقوط بغداد في عام 2003م على أيدي القوات الأميركية.

2- إحكام قبضة المؤسسة العسكرية على باقي مؤسسات الدولة، ووأد كل جنين ديمقراطي يولد من رحم الشعوب.

3- تزوير الانتخابات في أكثر من بلد عربي لصالح الحكام، على الرغم من التزام الإسلاميين بمبادئ الديمقراطية، وحتى إصدار الفتاوى بجوازها من أجل المشاركة فيها، ورأينا التحولات الكبيرة للفكر السلفي في ذلك.

4- انتشار الفساد والفقر في أكثر من بلد عربي، مما جعل مسوغ الانتماء إلى جناح التيارات المتشددة والقبول بأفكارها أسهل، وعدم تصديقهم للنفس الطويل الذي يستخدمه التيار الإسلامي المعتدل في التغيير والإصلاح.

5- استمرار التدخل الأميركي في المنطقة وإثارته للنعرات والأزمات في الشرق الأوسط، ودعمه المطلق لبعض الديكتاتوريات العربية والممالك التي لا تعترف بالديمقراطية، أو بالمشاركة للتيار الإسلامي في الحكم.

6- نجاح إيران في تصدير ثورتها في عدد من الدول العربية، وتقديم البديل الإسلامي، والتحكم بمقاليد الحكم في عدد من العواصم العربية.

ومع ذلك كله سعى حاملو مشاعل الصحوة الإسلامية إلى الاستمرار في الدعوة إلى الشورى والديمقراطية بمنظورهم الإسلامي، ومشاركتهم في معظم الانتخابات النيابية، والفوز بها، حتى أتت شرارة الربيع العربي، التي انجلى من خلالها جبل كبير من الظلم والديكتاتورية، وتنفست فيها الشعوب العربية أخيراً الصعداء، وأتوا إلى أول انتخابات ديمقراطية شفافة تشهدها المنطقة العربية، وفي أكبر بلد عربي، وصعد أول رئيس منتخب في مصر بطريقة ديمقراطية شهد لها الأعداء قبل الأصدقاء، وبدأ أمل الصحوة الإسلامية في التحقق بشكل سلمي، بعيداً عن التطرف، واستغلال مصطلح الجهاد بشكل سيئ.

وما هو إلا عام واحد حتى انتكست تلك الصحوة الإسلامية في مصر بانقلاب سهَّل له الإسلاميون أنفسهم بقلة خبرتهم السياسية، ووقعوا نتيجة أخطائهم في فك الانقلاب، وسِيقوا من جديد إلى السجون، ولم يتعلموا من درس الإسلاميين في تركيا أو تونس، وأن العملية السياسية ليست الخطاب الديني فقط، بل هي خداع ومكر لا بد منه.

والآن وبعد تصاعد النفس الطائفي في العراق والمنطقة بشكل كبير، وحرب استنزاف تقودها الجماعات المتطرفة من داعش وغيرها في سوريا منذ خمس سنوات، وحرب عشوائية تدخل عامها الثالث في اليمن، زادت انتكاسة الصحوة الإسلامية، التي بشَّر بها الأولون بسطوعها في القريب العاجل، وسيتأجل ظهورها على ما يبدو بسبب ما يحدث في المنطقة والعالم، وخصوصاً بعد تصاعد التيار اليميني المتطرف، وصعود أسهم الشعبويين بانتخاب ترامب رئيساً للولايات المتحدة الأميركية.

فهل يشهد هذا القرن عملية إنعاش جديدة للصحوة الإسلامية بطريقة سلمية وباستخدام الأدوات الدولية المعروفة؟ أم أن الانتكاسة التي تعيشها ستعمل على رفع رصيد الجناح المتطرف، وتعطي المزيد من الأسباب للتخلي عن فكرة التغيير دون استخدام الجهاد؟!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.