المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

غيث حمور Headshot

دمشق: الجنس مقابل البقاء!

تم النشر: تم التحديث:

حصدت قصّة إخبارية تحت عنوان "الجنس مقابل البقاء"، من العاصمة السورية دمشق، نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، الكثير من ردود الفعل المتباينة من المتابعين.

تحدثت القصة عن امرأتين (هدى وأم مهند)، تعرضتا للابتزاز الجنسي من قِبل عناصر من قوات نظام الأسد وميليشيات الشبيحة الموالية له؛ حيث عرض عليهما عناصر من القوات المذكورة (الجنس) مقابل تسهيل أمورهما وحل مشاكلهما، الأولى في سبيل إدخال والدها المريض إلى المشفى، والثانية من أجل إبقاء سقف فوق رأس أولادها الأيتام.

قساوة القصة التي تنتهي بموت والد (هدى) وبنزوح (أم مهند) مجدداً بحثاً عن حياة أفضل، تؤكّد الانحدار الأخلاقي الذي وصل إليه نظام الأسد (إن كان ذلك واضحاً في ظل ما يقوم به في سوريا منذ خمس سنوات)، وتشير إلى المعاناة الذي يعانيها السوريون، ليس فقط في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام من قلة الغذاء والدواء والحصار والقصف المتواصل، إنما تؤكّد أن السوريين في عرين النظام الأول، في العاصمة دمشق، يعانون أيضاً من إجرام وظلم وفساد هذا النظام الاستبدادي السلطوي الشمولي الذي لا يدّخر جهداً لإذلال السوريين والدوس على كرامتهم.

من جهة أخرى، فإن ردود الفعل التي جاءت من المتابعين (معظمهم معارضون للأسد) على مواقع التواصل الاجتماعي في هذه القصة المثيرة للجدل والتي تبيّن جانباً مهماً ومخفى من حياة السوريين خصوصاً والعرب عموماً، كشفت جزءاً آخر من وضع السوريين السيئ، ولكن هذه المرة على المستوى الثقافي والاجتماعي والفكري، والذي لنظام الأسد ومعظم الأنظمة الشمولية المشابهة له الدور الأول والأكبر فيه.

التعليقات انقسمت لثلاثة أنواع: الأول اقتصر على استهجان الحدث دون توجيه أصابع الاتهام للجاني كـ(حسبنا الله ونعم الوكيل، لكم الله يا سوريون) وهي ردود قاصرة ولا تتناسب مع الحدث.
أما الثاني الذي يحمل دلالات كبيرة، وهو الذي جاء رافضاً لنشر مثل هذه القصص كـ(لا تنشروا مثل هذه القصص، عيب) في إشارة واضحة لحالة المجتمع المعتادة على إخفاء مثل هذه القضايا، ودفنها، على طريقة (النعامة)، وعدم التحدث فيها، وكأنها غير موجودة فالفيل أي (قضايا الاغتصاب والابتزاز الجنسي) الموجود في الغرفة لا أحد يراه ولا أحد يتحدث عنه علّه يغادر لوحده نتيجة هذا التجاهل.
في حين النوع الثالث وهو الأخطر، حمّل المسؤولية للمرأتين، متناسياً الجاني، كـ(حافظي على شرفك ولو على قطع رقبتك، تعملين الخطيئة وبعدها تندمين)، خطورة هذه الردود تكمن في تأثيرها على المجتمع إن كان سورياً عربياً أو حتى في أي مكان في العالم، فتناسي الجاني وإلقاء اللوم على الضحية أمر أصبح اعتيادياً في بعض المجتمعات، خاصة في قضايا (الشرف) كما تسمى؛ لتكون هذه القضية أي (الشرف) أولوية، في حين أن الجاني لا مكان لنقاشه وتجريمه.

ردود الفعل هذه وغيرها لم تأتِ من فراغ، فـالأنظمة الاستبدادية الشمولية، التي تعتمد الديكتاتورية منهجاً، كنظام الأسد في دمشق، وغيره من الأنظمة المماثلة، تعزز عبر فترات حكمها الطويلة والطويلة جداً العادات والتقاليد البالية وتزيد من جهل وتخلف الشعوب في سبيل استمرار حكمها وطغيانها، وهو الأمر الذي شهدناه في سوريا خلال العقود الخمسة الأخيرة من حكم آل الأسد، الذي عزز التخلف والجهّل السوريين مما أدى لحالات تتطرف يعاني منها المجتمع السوري الآن، ومهّد لتعاطف المواطن مع مجرم أو على الأقل لعدم رؤيته لأعماله وتجاوزاته وخروقاته كما يحدث حالياً أيضاً، كما أن التجهيل المتعمد واللعب على العادات والتقاليد البالية وتغذيه الأفكار الطائفية والقبلية والإثنية كان لها دور كبير فيما آلت إليه الأوضاع في سوريا اليوم.

يبدو أن السوريين لديهم طريق طويل نحو الحضارة الإنسانية، فالحكم الديكتاتوري المستمر منذ أكثر من خمسة عقود أفسد وخرّب كل القيم، وهدّم الحضارة، ودحر الفكر الإبداعي، وحارب التقدم والتطور، حتى أضحى السوريون يحتاجون لعقود لإعادة بناء حضارتهم وإنسانيتهم قبل بناء بلدهم الذي تحول إلى خراب بسبب تعنّت وجبروت شخص يريد الكرسي!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.