المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

غادة بريك Headshot

في مصر.. ممنوع الكلام في السياسة للشباب!

تم النشر: تم التحديث:

بعد الحديث عن الأحوال والحياة والعمل اخترقت هذه الجملة حوارنا: (خفي شوية من اللي بتكتبيه على النت)، حاولت في البداية التصنع بأنني لم أفهم العبارة، فبادرت بالقول: نت إيه؟ فكان الرد: (أنت عارفة أنا بتكلم عن إيه.. خفي شوية لو سمحتي).

أثارت هذه التحذيرات استغرابي الشديد، فأخذت أسأل دون توقف، مين اللي قالك؟ فلم أجد إجابة عن سؤالي، كررت السؤال كثيرًا دون فائدة، وكانت الإجابة المقنعة التي توصلت إليها بعد تفكير طويل هي: فاعل خير.

(أحوال البلد مش مستقرة).. بهذه العبارة يطالبني والدي بالتوقف عن الحديث في السياسة بداعي الخوف عليّ، أقدر خوفه وقلقه، ولكني أجد صعوبة في الاقتناع بهذا الأمر، بعد أن أصبح الفضاء الإلكتروني هو المتنفس الوحيد لنا، في ظل واقع يخنق الأنفاس ويجعلنا في أحيان كثيرة موتى على قيد الحياة.

(مش عارف ليه الشباب كلهم كده).. يعلم والدي أن هذا ليس رأيي وحدي، بل الكثيرين من أبناء جيلي الذي أفتخر بالانتماء إليه، الجيل الذي شابت روحه قبل أن يشيب رأسه، جيل كل جريمته أنه أراد أن يعيش في عالم أفضل، ربما لن يرى ملامح هذا العالم في القريب العاجل، رغم أنه ضحى بالكثير للوصول إليه، ولكنه مازال يؤمن بدوره في المطالبة بحقه وحقوق الآخرين، جيل يعلم جيدًا أن الطريق مازال طويلًا وشاقًا، ليمهد الطريق للأجيال القادمة من بعده، ويجنبهم السير في طريق تملؤه العثرات.

هنا سلطة من نوع آخر، فإذا كان النظام يستخدم سلطاته في قمع المعارضين بحجة الحفاظ على الأمن القومي، فالأهل يصادرون حقنا في التعبير عن الرأي بدافع الخوف والقلق، أحيانًا أعذرهم وأحيانًا أخرى يصيبني هذا الخوف بالضيق وكأنه قيد لا مفر منه.

نقاشاتي السياسية مع عائلتي دائمًا ما تنتهي بغضب جميع الأطراف، حتى قررت مؤخرًا أن ألتزم الصمت في أي قضية سياسية يُثار النقاش فيها أمامي، فهم يرون أن معارضتنا للنظام وانتقادنا لسياساته هي لأننا جيل (طائش) لا يعرف قيمة الوطن ولا يقدره، وأننا لا نملك من الحياة الخبرة الكافية حتى يكون لنا رأي سياسي ناضج، بالمقارنة بخبراتهم الحياتية والسياسية التي شهدت الكثير من التحولات منذ عهد جمال عبدالناصر وحتى يومنا هذا.

(لقد هرمنا).. ولم نعد صغارًا فقد مضت مرحلة المراهقة منذ زمن بعيد، تلك الفترة التي كنا نتمسك فيها بآرائنا كنوع من إثبات الشخصية، فليست آراؤنا من قبيل العناد والتمسك الأهوج برأي لا يفيد.

الحديث بحرية وإبداء الرأي وحتى السخرية اللاذعة أحيانًا والانتقادات الحادة أحيانًا أخرى، مصطلحات توضع في (القاموس الأبوي) في قسم المحظورات، ولا يمكن ترجمتها إلا باعتبارها خروج عن الأدب وتجاوز للحدود وعدم وعي بخطورة ما يجري، فيما نراها نحن أبسط حقوقنا، في وطن ضاعت فيه كل الحقوق ولم يعد منها إلا بقايا حق لا يثمن ولا يغنِ من جوع.

يعلم الكثيرون من أبناء جيلي عواقب الحديث في السياسة، ولكن التزام الصمت التام أو المؤقت أمر لا يمكن احتماله، في ظل وجود سلطة تتصرف بمنطق الديكتاتور في مسرحية تخاريف (شعبي وأنا حر فيه).

سؤال لا أكف عن التفكير فيه: هل سنصبح مثلهم عندما نكبر في العمر؟ هل ستتغير قناعاتنا عن حرية التعبير؟ هل سنطلب من أبنائنا البعد عن معترك الحياة السياسية والسير (جنب الحيط) بداعي الخوف عليهم؟ أحيانًا أتصور أن التقدم في العمر له دور في ذلك، فكلما مرت السنوات أصبحت القدرة على تحمل الأبناء وتمردهم أقل بكثير.

تمسكنا بآرائنا لا يعني أننا قد نكون على صواب طيلة الوقت، ولكننا ببساطة ندافع عن وجهة نظرنا التي نؤمن بها، فنحن لسنا متمردين عليهم، ولكننا ببساطة نختلف عنهم في الكثر من الأمور، أصبحت السياسة أبرزها في الفترة الأخيرة، نحبهم ولكن نختلف معهم ويا ليتهم يعلمون.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.