المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

غادة عبد العال Headshot

معرض الكتاب.. "أرض الأحلام"!

تم النشر: تم التحديث:

لم أكن قط طفلة طبيعية في نظر صديقاتي، لم تطلق إحداهن عليّ يومًا لقب "دودة الكتب" وإن كانت نظراتهن لي تحمل دائما هذا الاتهام، في أي من رحلاتنا الموسمية أو إجازاتنا الصيفية كانت كلهن تبحثن دومًا بأعينهن عن محال بيع الحلي الملونة مما تعشقه البنات، بينما كانت عيناي دائمًا تدور في الأرجاء حتى تقع على واحة راحتي "المكتبة"، وينتهي يوم الرحلة أو أسبوعها والصديقات يقارن كنوزهن من الأساور اللامعة وربطات الشعر الملونة وطلاء الأظافر الجذاب، بينما أحتضن أنا كنزي الخاص بين ذراعي وأحلم باللحظة التي أعود فيها إلى منزلي لأتجول بين الأوراق وأخاطب الشخصيات وأتوه بين أحداث كل كتاب من كتبي الجديدة!

كانت المكتبات في مدينتي الصغيرة نادرة ندرة التنانين البنفسجية، مركزية القاهرة الخانقة والبيئة العمالية الساخطة دومًا القاطنة بمدينتي تفرض حظرًا على الثقافة لا ينفك أسره سوى مرة واحدة في العام، حين يأتي موعد معرض الكتاب بالقاهرة، رحلة معرض الكتاب السنوية التي كنت أدخر لها بقايا مصروفي الصغير طوال العام لأستطيع أن أحظى بعشرات الكتب التي أجدها دومًا مختبئة بين أركان سور الأزبكية في المعرض -إذ كانت جنيهاتي القليلة غير قادرة على الصمود أمام أسعار الكتب الجديدة في فروع المكتبات الكبيرة- تلك الرحلة السنوية التي كان يصحبني فيها والدي الذي لا يفعل شيئا سوى انتظار انتهائي من جولتي في أرض الأحلام حتي أحصل على مخزوني السنوي من الكتب تلك ثم يمنحني بعدها نظرة فخر بابنته "المثقفة" افتقدتها بعد وفاته..

زيارة المعرض كانت عيدي السنوي، كانت المناسبة التي أشعر خلالها أنني شخص طبيعي، فهاهنا آلاف الأشخاص يحملون نفس اهتماماتي، ويغدقون من مشاعرهم الجياشة على حفنة من الأوراق ذات الأغلفة الملونة! وجودي في أرض المعرض كان بمثابة عودتي لأرض وطني الذي أُنفى من أرضه بقية أيام السنة.

هذا العام عدت للمعرض لألمس الاختلاف الذي بدأ طفيفًا ثم استفحل، لم يعد رواد المعرض يشبهونني، أو ربما لم أعد أشبههم أنا، بالطبع ما زالت الأعداد كبيرة، عدد من يقرأ وعدد من يكتب، لكن جحافل العاطفيين التي تبحث عن أي كتاب "عاطفي" يبدو أنها تسيطر يوما بعد يوم، أتذكر أنني في صباي كنت أبحث دومًا في خبايا المعرض عن الكتب المعروفة للكتّاب المشهورين، لكن شهرتهم بالطبع تختلف عن شهرة كتاب هذا الجيل، كانت الشهرة حينها مقوماتها هو الاحتفاء النقدي، بينما هي اليوم تتمحور كليًّا حول شعبية الكاتب على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وجل شهرتهم تأتي من مخاطبة عواطف المراهقين والمراهقات ممن يمنيهم المجتمع كله بأفلامه وأقلامه وأغانيه بعالم مليء بالعاطفة والحب، فلا يجدون سوى مجتمع قاسٍ ودولة مفككة ومشاكل ومصائب يومية تجعل الكل يدور مربوطًا في ساقية أكل العيش وانتظار وقوع المصيبة القادمة، فلا يجدون معبرا إلى عالم من الحب والعاطفة إلا بين كلمات كتاب يماثلونهم في السن، وافتقاد العاطفة التي يعوضونها بالمبالغة في وصف علاقات طبيعية -في أي مكان آخر من العالم- كتجربة ارتباط عاطفي أو زواج!


الغربة التي أشعر بها بين رواد المعرض حاليا -كتّابه وقراءه- لا تدفعني لإنكار حقهم فيما يكتبونه وما يقرأونه، فمن حق كل كاتب أن يعبر عن مكنوناته بالطريقة التي تناسبه، ومن حق كل قارئ أن يقتني ويقرأ لمن يخاطبه ويخاطب مشاعره وأفكاره، ومحاولة إخراج تلك العلاقة بين القارئ والكاتب من إطار الحرية لإطار التسلط والتنكيل بالاثنين لهو جزء لا يتجزأ من واقعنا وحياتنا اليومية في مجتمع سلطوي لا يطيق أن يرى أيًّا من أفراده يقومون باتخاذ قرارات مستقلة!

فعلى المعترضين من الكتّاب أن يبحثوا عن سر الحلقة المفقودة التي أبعدتهم عن قرائهم، وإن لم يكن من المطلوب أن يقلدوا الكتابات ذات الشعبية ليصلوا إليهم، وإنما على كل كاتب أن يرضي نفسه فنيًّا أولاً، لكن عليه أيضًا أن يحاول أن يصل لطريقة للوصول لقرائه وإلا فلمَ النشر أصلا؟
وعلى المعترضين من القراء أن يتمسكوا بكتّابهم المفضلين ويدعمونهم وإلا اختفوا للأبد واختفت أحرفهم بين غيابات متاهة الأعمال الشعبية الرائجة! ينطبق ذلك بالطبع على أيام المعرض وغيرها!

لكن في كل الأحوال ستظل رحلة المعرض دائمًا رحلة لأرض الأحلام، حتى وإن شعر بعضنا أحيانا بالاغتراب، فلكل منا واحته الخاصة بين جنبات أرض المعارض، الذي يجب أن تكون رمزًا لتقبل مختلف الأذواق والآراء وتقاربها وتحاورها، وإلا ما استحق لقب "أرض الأحلام".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.