المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

غادة حامد Headshot

كن خيالياً

تم النشر: تم التحديث:

هل وصفك أحد بأنك خيالي، فأخذت تدافع عن نفسك وتقسم له بالعكس أو افتخر بك آخر بأنك شخص واقعي كلك حكمة؟ فرفعت رأسك زهواً، وأخذت تصف له كيف أصبحت واقعياً، إذا كان هذا هو حالك، ووقفت في مثل هذه المواقف من قبل، فيؤسفني أن أبلغك بأنك مخطئ.

فللخيال قوة تغلب قوة الواقع، والشخص الذي يلجأ لخياله عادة ما يكون قوياً بإبداعه، نعم للخيال قوة نجهلها، قوة تشبه قوة مصباح علاء الدين، قوة قد تحقق لنا كل ما نتمنى من المال والقوة والجمال والنجاح، فقط إذا أمرناها، أو تسخطنا "قرد بصديري" إذا أسأنا استخدامها.

وكلامي هذا ليس مبالغة وليس من وحي خيالي؛ بل هو مبني على دراسات كثيرة تؤكد أن الإنسان عادة ما يستغل جزءاً بسيطاً جداً من قوة خياله، وأنه يمكنه إذا أحسن استغلاله تحقيق أي حلم يحلم به عن طريق تخيله، وقد عبر ستيفن كوفي، مؤلف كتاب (العادات السبع للأشخاص الأكثر فاعلية) عن هذا المضمون بعبارة بليغة، هي: "ضع غايتك أمام عينك"، فإذا رغبت في تحقيق حلم ما، فعليك أن تحضر ورقة وقلماً وتكتب أو ترسم عليها هذا الحلم، وتضعها في مكان تراه باستمرار كل يوم حتى لا يتوارى مع الأيام في آخر قائمة ذاكرة المخ.

وعليك أن تحاول أن تتخيل متى وكيف يمكنك تحقيق هذا الشيء، تخيل كل التفاصيل، ارسم خطة تفصيلية في خيالك، وضعها على الورقة نصب عينيك، وكلما تخيلت تفصيلة، زوّدها على الورقة المعلقة أمامك، حتى تكتمل الخطة، بعد ذلك ستصبح الصورة الكاملة ماثلة أمام عينيك، وستجد أن العقل الباطن سيعمل على تحقيقها كما رسمتها تماماً في خيالك؛ لأن هذه هي وظيفته التي خلقه الله لها، تحقيق أحلامك إذا أمرته وطلبت منه ذلك.

وحتى عندما نلجأ للخيال بحثاً عن مرفأ نرتاح فيه أو ملجأ نلجأ إليه، ونتخيل أنفسنا في ربوع سويسرا أو في أحضان من نحب، ويحيط بنا الزهور والياسمين، وتغني حولنا العصافير "الدنيا ربيع والجو بديع"، فالخيال هنا ينجح في أن يمدنا بطاقة إيجابية تساعدنا على تحمل أقدارنا.

والواقع يؤكد أن الخيال ليس وديعاً أليفاً مبهجاً دائماً؛ بل هو في بعض الأحيان ملتهب مفترس، يهاجمنا بالوساوس والأوهام والخيالات التي تفسد علينا حياتنا وتقلقنا وتصيبنا بجميع الأمراض النفسية، ابتداء من التوتر والقلق الذي قد يؤدي بنا إلى السكتة القلبية أو إلى الوسواس القهري والشيزوفرانيا الذي قد يقذفنا في "الخانكة"، أو يجعل ملاذنا تحت أحد الأنفاق نخيف العاقلين الذين هجروا خيالهم.

فقل لي بالله عليك أيهما أقسى؟ أن يعترف لك شريك حياتك بواقع خيانته لك مثلاً، أم أن تتخيل تفاصيل هذه الخيانة؟ أن يخبرك الطبيب بمرض عزيز عليك، بمرض عضال أم تخيلك لمضاعفات المرض -لا قدر الله- وتفاصيل معاناة أحبائك؟!

ولكن -للأسف- يرى الكثير أن الأشخاص الذين يلجأون للخيال ضعاف يهربون من واقعهم؛ لأن الخيال يمدهم بالسعادة الزائفة، ويتناسون أنه يحقق لنا أحلاماً قد تسعد البشرية كلها.

إن الخيال دائماً أقوى تأثيراً علينا من الواقع، سواء بالسلب أو بالإيجاب، وهو دائماً الجندي المجهول الذي يقود واقعنا، إما إلى نجاح وطموح وإبداع، أو إلى عذاب وأوهام وأمراض، فلا تتهاون عزيزي القارئ أبداً بخيالك، وتأثيره عليك، وأمسك بزمامه قبل أن يجمح منك، وحاول أن تستفيد من كل إمكانيات خيالك، الذي ميزك الله به عن سائر المخلوقات في تحقيق أحلامك وإبداعاتك، وافتخر بأنك شخص خيالي تفكر خارج الصندوق، وتستغل كل النعم التي وهبها الله لك، بدلاً من أن تنكرها وتتبرَّأ منها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.