المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

غادة حامد Headshot

الشوكة و السكينة و وولاد الناس

تم النشر: تم التحديث:

لم أفهم يوماً لماذا يربط الناس الرقي والشياكة بالفلوس؟ لماذا يربطون السلوكيات بالمادة؟ يعني مثلاً لو رأوا شخصاً يأكل بالشوكة والسكينة يبقى على طول (ابن ناس ذوات) أو غني، في حين أن 90% من بيوتنا فيها أطقم معالق كاملة أو حتى معالق وشوك وسكاكين فرداني! يعني هذه الأدوات موجودة في أغلب البيوت، ولم أسمع في حياتي أن الشوكة والسكينة مثلاً سعرهم أغلى من سعر المعلقة، أو أن هناك بيتاً لا يوجد فيه شوك وسكاكين لارتفاع سعرها!

طيب دعنا نتناول مثلاً آخر: لماذا يتدنى مستوى الذوق كلما قلَّت المادة، أحياناً، ما العلاقة؟ لماذا ترى الفتاة أو الشاب الذين يرتدون ملابس من ألوان متناسقة يوصمون بأنهم (ولاد ناس) في حين يرتدي الآخرون، الأقل مكانة في المجتمع، طبقات وألواناً من الملابس لا علاقة لها ببعض!

إن هناك خطأ كبيراً في ربط السلوك بالمادة وتصنيف الناس بناء على ذلك، وهذا الخطأ سببه فساد الذوق العام عند الناس، فقد فقد الكثيرون الإحساس بالجمال والذوق والنظافة، التي لا علاقة لها بالفقر أو الغنى.

هل هناك علاقة بين أن تكون غنياً وأن تغتسل كل يوم مثلاً؟ هل الفقير لا يمتلك صابوناً؟

إذا نظرنا إلى المجتمعات الأخرى من حولنا، سنجد أن الفقر مثلاً في دول عديدة لم يمنع الفقير من أن يحرص على غسل أسنانه ولو مرة في اليوم، وليس حتى الاستحمام!

انظر إلى الفقير في دول عديدة تجده حريصاً على أن يضع بعض أحواض الزرع أو الورود الملونة على شباك منزله الذي قد لا تزيد مساحته عن ٥٠ متراً وفي بعض البلدان لا تستطيع أن تفرق بين الطبقة التي ينتمي لها الشاب أو الفتاة إطلاقاً من ملابسهم أو من سلوكياتهم.

لماذا ترتبط نوعية الأكل في أذهاننا بالفقر والغنى؟ نعتقد أنه كلما زدنا من السمنة والزبدة في الأكل سيصبح أشهى، وكلما أغرقنا الحلويات بالسكر ستصبح ألذ، وكلما أضفنا اللحوم سنبدو أغنى، لكننا لا نفكر أبداً كيف سنصبح أكثر صحة وأخف حركة لو سلكنا السلوك المعاكس تماماً في الأكل.

وطريقة الأكل -في رأيي- تحتاج لمقال لوحدها؛ لأننا للأسف تربينا على عادات غذائية أغلبها خطأ بل ومضر، وأثرت بالتالي على صحتنا وعلى مظهرنا، لدرجة أن أصبح الكلام عن أي شيء معاكس لهذه المعتقدات الغذائية في محل الكفر، وأصبحت كلمة أكل صحي لدينا تساوي كلمة أكل عيانين، أو أكل مستشفيات، جعلونا ندمن السكر والسمن واللحوم والقشطة والزبدة ومنتجات الألبان ونقاوم بشدة من يحذرنا من أخطارها.

لماذا نتخيل أن مَن يتناول الوجبات دون لحوم هو من الفقراء ونصمه بذلك، وأن أكل اللحوم، بل وجميع ما سبق هو أكل ولاد الناس فقط؟ لأن سعرها مرتفع، كلنا نشترك في هذه المعتقدات لا أستثني أحداً ولا نفسي، تربينا عليها ويصعب علينا التخلّص منها.

في بلاد أخرى مثل أميركا؛ الأميركان شعب يفضل راحته على أناقته، شعب عملي للغاية، ويستوي في ذلك الفقراء والأغنياء، فقد تجد مدير شركة كبيرة يذهب لشركته بتيشيرت عادي جداً وحذاء أهم ما فيه أنه مريح (وقد لا يرتدي حذاء أصلاً، قد يرتدي شبشب البيت)، فهناك أيضاً لن تستطيع أن تفرق بين الغني والفقير!

إنها سلوكيات عامة توافق عليها المجتمع هناك بكل طبقاته، تجد هذا المدير هو مَن يقوم بنفسه من على مكتبه ويدخل مطبخ الشركة ليعد قهوته، انطلاقاً من مبدأ المساواة، وأن كل فرد يجب أن يخدم نفسه، ولا يجب أن نعين أفراداً ليخدمونا!

لماذا نخجل أن نبيع قطع الأثاث أو الملابس المستعملة التي لا نحتاجها بمبالغ زهيدة لمن يحتاجها من غير القادرين المتعففين؟ إنك تفيدهم وتحفظ كرامتهم وقد تجد لديهم أيضاً ما يفيدك لو اشتريته منهم، فلا يعيبك أن تشتري شيئاً مستعملاً ورخيصاً ما دمت تحتاجه وبحالة تساوي السعر المعروض به!

لماذا نربط كلمات مثل شكراً وتسلم إيدك ولو سمحت ومن فضلك بأبناء طبقات معينة، هو كمان الكلام بفلوس؟

الخلاصة أن مجتمعنا يحتاج إلى جهود جبارة لإصلاح الذوق العام وتنقية العادات التي انتهى تاريخ صلاحيتها، والتي لا تحتاج للمال أو لتصنيفات طبقية أبداً ولا ترتبط بهما إلا في خيالنا.

إن سبب تأخرنا في هذا العالم هو هذه العادات البالية التي نحافظ عليها ربما أكثر من محافظتنا على مصلحتنا وصحتنا وصحة أبنائنا، وليس الأزمة الاقتصادية أو قلة الأموال لدى الحكومات، أو الحكام الفسدة، الذين أتمنى أن نؤجل الكلام عنهم حتى نصلح من أنفسنا ومن سلوكياتنا وعاداتنا أولاً، فالشعوب تقاس درجة تحضرها برقي سلوكياتها لا بعدل حكامها وكثرة أموالها.

فإذا أردتم أن تتغير أحوالكم، وتتقدموا، فغيروا سلكوياتكم أولاً، وارتقوا بفكركم وذوقكم، فالله لا يغير حال قوم إلا عندما يبدأون هم بتغيير أنفسهم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.