المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

غادة حامد Headshot

هل سافرتَ لبلاد العجائب؟

تم النشر: تم التحديث:

إذا كنت قد مللت من الواقع ورتابته، من أهلك ومشاكلهم، من أصدقائك وحواراتهم المكررة، من عملك وضغوطه المستمرة، تريد أن تهرب من كل ذلك، تختفي من على وجه الأرض، ولو لساعات قليلة- فليس لديك إلا أن تجلس في غرفتك، تتمدد على سريرك، وتبدأ في قراءة رواية، سواء كانت خيالية أو رومانسية أو حتى بوليسية.

فعندما تقرأ روايةً ممتعة، تسافر معها إلى بلاد العجائب وتثير هذه الرواية في داخلك تساؤلات؛ تحيي مشاعر، تميت حقائق، تعبث مفرداتها في جميع زوايا دماغك، فتقلب أفكارك راساً على عقب، وتثير الفوضى في أرجاء مشاعرك. تتوحد فيها مع الأبطال وتشعر بمشاعرهم، وتكاد تنطق بكلماتهم، تشعر باللذة معهم والعذاب لأجلهم، وينطلق سياط عقلك ليجلدهم، فلا تدري إن كان يجلدك أو يجلدهم.

تتوه معهم بين الورق، فلا تدري إن كنت قد أحببتهم لأنهم مارسوا كل الممنوعات النائمة في خيالاتك، أم كرهتهم لأنهم حرَّضوك على نفسك. وهذه المتعة قد لا تكون قد قابلتها كثيراً في حياتك.

عندها تحدث هذه الرواية ضجة في داخلك لا تستطيع السيطرة عليها فتهرب من الأوراق، تغلق الرواية، وتجد نفسك لا تزال في التيه نفسه. تغمض عينيك، فتطاردك الأوراق بشخصياتها وأفكارها ومشاعرها، تحاول أن تهرب إلى مكان أبعد، أو تعود من حيث جئت، لتنشد الاستقرار، فتسبح في عالم الأحلام، تغلق جفونك عليك وكأنك تريد أن تبدأ الحياة من جديد بعيداً عن مجموعة الأفكار والمشاعر التي طالما اعتقلتك أعواماً طويلة، لكن لا جدوى وكأنه قد حُكم عليك بالسجن المؤبد داخل هذه الرواية أو بالتيه أكثر وأكثر في عوالمها!

تغمض عينيك فتخرج كل مشاعرك وأفكارك وخيالاتك في مليونية شبه منظمة، في ثورة عارمة عليك فلا تستطيع أن تخمدها وكأنهم اتفقوا عليك، اتفقوا على أن يزلزلوا كيانك بهتافهم الصارخ "مش هنمشي" حينها، لا تجد بداً إلا الاستسلام التام لهم أو الموت الزؤام في جدران الرواية الهلامية، تستسلم خانعاً خاضعاً ولكنك مستمتع في الوقت نفسه! مستمتع بهذه الأجواء العشوائية التي اعترتك، بهذه الجدران الهلامية التي احتوتك حتى اختلطت أوراق حياتك مع أوراق القصة واقتحم الأبطال الحقيقيون حياتك.


تختلط أحداث حياتك مع أحداث القصة فلا تعرف إن كنت قد خنت شريكة حياتك مع بطلة القصة أم بطل القصة هو الذي خانها، ولا تعرف إن كنت أنت الذي قتلت بطلة الرواية أم البطل هو الذي قتلها؟ وتتساءل: ولماذا لا تتحول أحداث القصة إلى حقيقة، وأعيش المغامرة نفسها، فتهب في وجهك معتقدات وأخلاق وعادات وتقاليد لم تهب في وجه بطل القصة! وتحتار أي الحياتين تريد أن تحيا؟ حياتك أم الحياة التي في القصة!

حينها، تشعر كأنك دخلت بلاد العجائب، وأنك وجدت نهايات مختلفة لبدايات قصص أخرى عرفتها، تشعر كأنك دخلت عالم الخيال تلهو في كل ما فيه فتكتشف حيوات مختلفة مثيرة لذيذة ونهايات قصص مبتورة وأبطالاً لقصص جديدة يسيرون هناك، في الداخل، في خيالك، لكنك لم تقابلهم أبداً، تراهم لأول مرة وتتمنى حينها أن تعيش معهم في الخيال للأبد أو يعيشون معك في الواقع للأبد.

ثم.. ثم، تأتي ساعة الفراق التي تنتصر فيها وتفيق وقد ارتسمت على شفتيك ابتسامة المتعة، ويبقى على أطراف لسانك طعم اللذة، فتهرع لأوراقك، ومدوناتك لتسجل كل نهايات القصص المبتورة التي عشتها هناك قبل أن تتطاير من مخيلتك، تهرع لتصف كل الأبطال الذين توحدوا معك، وتلبَّسوك برضاك؛ لتسجل كل الأحداث التي عشتها حقاً.

لكن يتمرد عليك قلمك ويأبى أن يسجل إلا لذة متعة أخرى؛ متعة المغامرة البكر، متعة الاقتحام، متعة اقتحام الخيال، وهي في حد ذاتها أمتع وأغرب كثيراً مما عاصرته وعشته في الخيال؛ متعة كسر التوابيت المغلقة المحددة الشخصيات، الواضحة المعالم والعادات والتقاليد، متعة كسر رتابة الواقع وشخصيات الواقع وأحداث الواقع، ونهايات الواقع، متعة اكتشاف عالم آخر، أمكنك أن تدخله بلا استئذان فتلهو وتلعب بلا حواجز أو قيود.

هذه المتعة تشبه دخول الإنس لعالم الجن ثم خروجه منه بسلام! وهي المتعة الأكبر والأغلى من كل القصص التي عشتها في خيالك، اللامحدود!

فلا تحرم نفسك -يا عزيزي- من اكتشاف هذه المتعة كلما استطعت، لا تترك نفسك حبيساً داخل عالم واحد فقط، فُرض عليك، فيخنقك بواقعيته.

بل اقرأ، اقرأ وعش العوالم الأخرى واستمتع بالتعرف على الأمزجة المختلفة للناس والمذاقات المختلفة للأطعمة التي لم تعرفها من قبل، تعرّف على شخصيات مختلفة وزوايا أخرى في أركان الحياة لم تعتد أن تراها، فتتفتح أمام عينيك آفاق جديدة وتجارب جديدة، وتسري في عقلك لذة لا مثيل لها عند السفر في أدمغة وعوالم الآخرين، لذة تسري بسرعة التيار الكهربائي في الجسد فتعيد له الحياة تماماً كما يفعل الأطباء لإسعاف المرضى، فاقرأ وعُد للحياة من بلاد العجائب!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.