المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جرجس فكري  Headshot

متى يتعلم يسري فودة من ريهام سعيد ؟

تم النشر: تم التحديث:

تتحمل حرارة الشمس التي وصلت إلي 47 درجة ، الجميع يهرب من نموذج جهنم في الأرض وهي لا تتحرك من مكانها ، تلح على فرد أمن مدينة الإنتاج الإعلامي أن يحقق أمنيتها الوحيدة وقتها ، فمنزلها المهدد بالإزالة وأسرتها التي تنتظر مصير التشريد ودموعها التي لا تتوقف جعلها تعتقد أن الحل في أمرآة تصورتها الأفضل بين النساء ، تصرخ في وجهه " يا بني وصلني بها هي الوحيدة اللي هتحل مشاكل " . حاول أن يقنعها أن الشاشة تكذب دائما وأنها ليست كما تتصور لكنها لا تصدقه وتعتقد أنه يتبع سياسة " التطفيش" معها . في البداية كان يتعاطف معها ثم مل من إلحاحها ثم سخر من إيمانها بان ريهام سعيد ليست بشر بل ملاك يعشق مساعدة الآخرين ويبكي لبكاء مسكين ، فابتسم وقال لها " يا حاجة صدقني ده كله كلام ، شايفة الناس اللي قاعدين دول كلهم مستنين ريهام سعيد وهي لما بتعدي عليها حتى مبتفتحش ازاز العربية تبص عليهم ، استني الإعداد بتاعها يجوا يتكلموا معاك وأنتي وحظك بقي " لماذا لم تطلب تلك المرأة العجوز أن تقابل يسري فودة أو أحد من مدرسته أو تلاميذه ؟! لماذا لجأت هذه المرأة إلي ريهام سعيد ولم تلجأ إلي مسئول حكومي هو مصدر المشكلة ومن في يده الحل ؟!.

يعتلي يسري فودة المنبر ويخطب في تلاميذه من مختلف الدول العربية في مؤتمر الصحافة الاستقصائية ، الجميع ينظر له بإعجاب ولهفة كلنا نعلم قيمته؟. أثناء المؤتمر يهمس صديقي في أذني " شايف الراجل ده قابل قيادات تنظيم القاعدة ، نفسي ابقي زيه " ، وأخر يقول " لغته العربية قوية شاعر وصحفي بجد " ، ينتهي الأستاذ من خطبته أجري ورائه أصافحه لا أريد صورة معه لكن أريد نصيحة منه كيف أصبح مثله ؟
. .......................................

اجلس على المقهى مع أصدقائي من مختلف الطبقات والمهن منهم المحاسب والسائق والمهندس والنجار وغيرها من المهن المختلفة إلا الصحافة يسألني أحدهم :" نفسك تبقي زى مين من المذيعين " " يسري فودة " " يا بني قول نفسك تبقي زي احمد موسي أو ريهام سعيد مش يسري فودة أنا مش بفهم كلامه يا عم مين ده

في معركة ريهام سعيد ويسري فودة ، تربح ريهام من معيار تجاري فهي تحظي بأعلى نسبة مشاهدة وإعلانات ويسري فودة يجلس في منزله لا يظهر على الشاشة . من معيار مهني لا مقارنة بين فودة وريهام ، فالمقارنة سب وقذف في حق المهنة . الشارع لريهام والنخبة والنشطاء لفودة لكن ماذا فعلوا النخبة والنشطاء لمصر طالما الصندوق يحكمه الشارع ؟! .

سخروا منها عندما قالت له " اتشهرت على قفايا اليومين دول" لكن رغم ابتسامتكم فالحقيقة أنها مشهورة أكثر من الأستاذ ، أنها الحقيقة التي نهرب منها بالسخرية ، أنها الحقيقة التي نتجاهلها ، إننا فشلنا في مواجهة ريهام و أمثالها عندما تحدثنا بلغة بعيدة عن الشارع ، عندما احتقرنا المواطن العادي فاحتقرنا حتى لو احترمنا

في الوقت الذي أنشغل الأستاذ يسري فودة ونحن في تغطية المعارك سياسية وصراعات الحزبية التي لا تهم المواطن العادي ، كانت ريهام تنزل إلي الشارع تستعرض حبها المزيف للخير وتجلس بين الجمهور وتتحول إلي حمامة الشاشة أمام الكاميرا ، لكن رغم النوايا ربحت الشارع وخسرنا نحن السياسة والشارع

"ابتعدت مجبرًا قبل عام عما تحوّل منهجيًّا إلى مستنقع عندما أدركت مع زملائي أن الحدود الدنيا لاحترام النفس و الناس و المهنة لم تعد موجودة " . هكذا قال الأستاذ وهكذا برر صمته وفي النهاية صفق له التلاميذ ، لكن تلميذا يرى أن ابتعاد أستاذه هزيمة وأن معركة المهنية طريقها ليس مفروشا بالزهور كما تصور معلمه ، وليس أمامي إلا الاعتذار للأستاذ الذي احترمه وأقول له أن واحد من تلاميذك لن يصفق لك . أيها الأستاذ الكبير أعلم أن التاريخ عبء على صاحبه لكن عندما تبتعد وتصمت هل تنتظر من تلاميذك يكملوا المعركة ؟!

إنني اكتب تلك الكلمات و قلمي يرتعش ، فبلغة الصنعة "السوق بيقفل والبرامج بتقل" ، فمن الممكن أن اجلس في منزلي دون عمل ومصدر رزق وتصبح أمنيتي الوحيدة أن أعمل مع ريهام لان الأستاذ المهني صمت وابتعد . انسحابك ليس انجازا يستحق الإشادة هو حصار لجيل من الإعلاميين صدقوك و شاركوك معركتك لكنك تركتهم

كيف أصدقك عندما قلت "ابتعد مجبرا " ، وأنت أتيت من ميدان أشعله صفحة في العالم الافتراضي . أنت قلت أنك ابن ثورة لم يتوقعها أحد و اندلعت رغم الحصار لكنك لم تقل أن الحصار لم يبعدها عن الميدان أو يخرسها لحظة واحدة . أيها الأستاذ من يريد التغيير و من يحارب من أجل المهنية لا يهرب ويختبئ وراء تويتة أو بوست ، لكنه يحارب ويحارب يخسر وينتصر وتلاميذه ورائه هكذا عرفنا الثورة و هكذا يأتي التغيير . أيها الأستاذ أمس كنا نواجه ريهام ورفقائها واليوم نواجه شارع يؤمن بهم وغدا لا مكان لنا في مجتمع اصدق من فيه اختاروا الصمت

"كلهم كدابين..وعارفين إنهم كدابين..وعارفين إن إحنا عارفين إنهم كدابين، وبرضه مستمرين في الكدب وبيلاقوا اللي يصقفولهم" .. أحمد ذكي في فيلم الحب فوق هضبة الهرم أثناء حديثه مع كاتب صحفي اسأل نفسي لماذا يستمر الكاذبون في كذبهم ،والإجابة لان الصادقون اختاروا الصمت . الصادقون اختاروا معارك افتراضية وتركوا الميادين لنا.. فهل يعودون عندما ننتصر؟

متى نجد إعلامي يجمع بين مهنية وحرفية يسري فودة وشعبية وتأثير ريهام سعيد ؟! المجتمعات لا تتغير بالأحلام والأمنيات والسخرية والانتقادات من جهل مواطنيها أيها الأستاذ التغير له ثمن ، ولا ثوري لا تأكله ثورته لكن الأمل في التاريخ

ماذا يفعل جيل كل رموزه اختاروا الصمت وابتعدوا عن المشهد ؟! . أيها الأستاذ متى تتعلم من ريهام سعيد وأمثالها إن الصمت والابتعاد عن المعركة ليس حلا، هم لم ولن يصمتوا مهما حدث ، سيكذبون وسيتحدثون دون خجل فالساحة لهم والشارع غنيمتهم لأنك اختارت الصمت وسأصمت ولن أعلق مثلك فلست من هواة البكاء على الأطلال فلا دموع لصامت ولا عزاء لهارب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.