المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مريم كنماتي Headshot

حساسيتي المفرطة تؤرقني!

تم النشر: تم التحديث:

لعل أسوأ ما يمكن أن يحمل على ظهرك طيلة حياتك، ويجلب لك أحزاناً أنت في غِنى عنها هو أن تكون شخصيتك من النوع "الحساس"، وأن تكون حساسيتك مفرطة.. لن أقف هنا عند الأسباب كثيراً فقد تكون حساساً جينياً، وقد تكون بالتنشئة الاجتماعية.. قد يفطن أبواك لحساسيتك فيستعينان بالإخصائيين النفسيين لتسوية الأوضاع قبل تدهورها، وقد لا يفهمان نوع شخصيتك أساساً فيدعان لتلك الحساسية مجالاً لتتطور.

وهنا نلمس الفرق بين الحساسية العضوية والحساسية النفسية، فأن تكون عنيف المناعة تجاه نوع من المأكولات أو نوع من الروائح سيفطن له من حولك سريعاً، ويبادر الجميع بتنبيهك: "انتبه للطفح الجلدي.. انتبه لأماكن تواجدك.. لا تتواجد في غرفة مليئة بالغبار.. نم في مكان جيد التهوية.." إلى غيرها من النصائح التي قد نتلقاها، سواء من أهل الاختصاص أو من أهل التجربة، لكن قلما يفطن أحد للتوعية بضرورة تسوية الوضعية النفسية، وحتى لو فعل، فغالباً ما تكون الطريقة خاطئة، أو يكون الوقت قد تأخر تماماً على عملية "التشخيص".

إن الشخص مفرط الحساسية، في الحقيقة، هو شخص عادي جداً، وأحياناً يكون الأفضل بين الكثير، فهذا الإنسان بتركيبته النفسية الهشة، شديد التأثر، ستحكي له قصة مبهرة وسعيدة فيبكي، وتضعه أمام مشكلة عويصة فيحزن، ستبوح له بما في قلبك وتنسى أنت همَّك، ولن ينساه.

الشخص الحساس شخص مهتم جداً بأدق تفاصيل الحياة، متقن للتأمل والتدبر، كثير التفكير والتعليل، وغالباً ما نجد الأشخاص ذوي الحساسية المفرطة من أصحاب المواهب الجميلة، كالرسم والكتابة والنحت وكل الأعمال التي تحتاج للشغف وفائض من الحس.

لا يمكن لصاحب هذه الشخصية أن يفوت لحظات سعادة من يحبهم دون وضع بصمة خاصة تطغى عليها صيغة مبالغة أحياناً، كما لا يمكن أن يتركك وحيداً حين الحزن والمواقف الصعبة، فالجميل في هذا الشخص أنه لا يتركك في سرائك ولا ضرائك، فإن كان البعض يعتبر جودة العلاقات في مواقف الضراء، فالحساس يرى أن من يحبه يسعده دائماً ويكون بالقرب عند الضيق كذلك.

إذا رأيت شخصاً يمتنع عن مزاولة الرياضات الجماعية، ويفضل أن ينعزل وحيداً ليمارس نشاطاته البدنية، ويرفض رفضاً قاطعاً أن يشاركك اللعب، فاعلم أنه شخص حساس للغاية، يخاف لحظات الاصطدام مع الخصوم وأكثر منها لحظات التعنيف؛ بل إنه يتحسس جداً من كلمة "مواجهة" و"خصم" و"سباق" و"الخسارة".. فلا يمكن للحسَّاس أن يتقبل خسارته أمام الناس، إنه يسعى دوماً للمثالية، وينشد الكمال، وأكثر ما يكرهه هو أن تعيب عن صفة في شخصه أو تنتقده أمام الملأ.

يعتقد الكثير من الناس أن صاحب الشخصية الحساسة إنسان مغرور بنفسه، يسعى أن يكون أفضل من كل الناس، لا يقبل الاختلاف، ويهاجم عند الانتقاد، بينما في الحقيقة هو إنسان واقعي جداً، كل ما في الأمر أنه يكره التشهير والتجريح، واستعمال كلمة "أنت" مقرونة بصفة سلبية.

إنه قد يسمعك ويتفهمك؛ بل ويغير الكثير من نفسه بعد حديثك معه، إذا أحسنت اختيار كلمات المفاتيح نحو قلبه، واجتنبت تلك العبارات التي تحوله من كائن لطيف جداً إلى إنسان عصبي المزاج، متوتر، قد يجرحك بلسانه، كآلية دفاع عن نفسه، لكنه لن يؤذيك أبداً، فحساسيته والعدوانية لا تلتقيان.

في قاموس شخصنا الحساس كلمات ليست كالكلمات، فقبل أن تعيب على شيء من صنعه أو تنتقص من جهده أو حتى تسدي له نصيحة، لا بد من التمهيد، لا بد من الثناء عليه وتقدير جهده، والإمساك بيديه مع نظرة حانية في عينيه، وحينها سيتقبل منك كل شيء تقوله، وأنت تحدث هذا الشخص لا تحاول أن تنفعل أو تصرخ في وجهه، ستبكيه جداً.

لا تحاول أن تقمع رغبته في التعبير لك عن حبه، أو في الفضفضة إليك، كما لا تنتقص منه أمام الناس، وتوقع منه جداً أن يبكي بغزارة إذا أسعدته.

إنه كائن متطلب عاطفياً جداً، فالحساس قد يشعر بضيق حقيقي في قلبه إذا مرَّ يوم كامل دون أن يتلقى ممن يحب كلمة "أحبك".. أو "صباح الخير" على الأقل.. ستخذله كلمة واحدة منك، وفي عز غضبه وانزعاجه سترضيه عبارة صدق واحدة.

إذا كان في دائرة أصدقائك أو عائلتك شخص كهذا، فاحرص جداً على أن لا تجرح قلبه الهش، تحمل مبالغته تلك، ولا تبتعد عنه بحجة غرابة شخصيته، ولا بحجة عجزك عن فهمه، فكلاهما محزن بالنسبة له.

إن نأيت لسلوك لم تستوعبه منه، فسيرى نفسه سبب تعاسة، وإن أخبرته أنه يتصرف بمبالغة، قد تحرم نفسك من بئر عميقة من الحنان تفيض عليك ولا تنضب.

قبل أن تقرر الزواج من إنسان حساس، فكّر جيداً، هل أنت قادر على استيعاب شخصيته الهشة؟ هل أنت قادر على تفهم حبه العظيم لك؟ هل أنت قادر على تحمل غيرته وكثرة أسئلته وأحياناً الاختناق الذي سيسببه لك من فرط رغبته في إسعادك؟
بل فكِّر جدياً هل تستطيع الحفاظ عليه؟ هل تستطيع عدم غرس الدمع في عينيه؟ والأكثر دهاء.. هل تستطيع أن تستوعب طيبته المفرطة.. رحمته البليغ.. نظرته شديدة الحنان.. وحاجته العاطفية الكبيرة جداً للإشباع؟

الخلاصة: إذا أكرمك الله بشخص حساس في حياتك.. أبداً لا تدعه يضيع منك، تفهمه كثيراً، وساعده بكثير من الحب والعطف على تجاوز نقائص شخصيته، وكن شكوراً جداً؛ لأنك أوتيت إنساناً سيهتم بأدق تفاصيلك.. وسيعيش الحياة كلها يفكر كيف يسعدك وسيتألم جداً إن غزاك الحزن من نوائب الحياة.

هنيئاً لك مسبقاً وجود هذا الشخص بقربك.. استوعبه رجاء، وعامله بالحسنى، تفهمه جداً، وغيّر السلبي فيه، دون أن تحاول المساس بصفاته الجميلة التي نادراً ما تجتمع في شخص واحد.. وإياك ثم إياك والقسوة عليه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.