المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مريم كنماتي Headshot

نبيُّ المحبَّة

تم النشر: تم التحديث:

نبي الحب.. نبينا صلوات ربي وسلامه عليه كان قائد أمة، غير أنه لم يتجبر، ولم يتعنت، ولم يقهر الناس.

كان المصطفى يجالس الأطفال ويعلمهم آداب الأكل، ويستوعبهم بحب وهم يأكلون، بينما نحن نُجلس الأطفال وحدهم والكبار وحدهم، فيكبر الطفل بلا أدب ولا حب، جربوا أن تقولوا لأطفالكم "نحبكم" وهم يأكلون، وانظروا هل سيعانون بعدها من انسداد الشهية؟

رسولنا -صلى الله عليه وسلم- قبَّل سبطَيه، فلما أتاه الأعرابي الأقرع قائلاً: "إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً"، فما كان من نبي الرأفة إلا أن قال: "من لا يرحم لا يرحم"، وفي حديث آخر قال عن الذين لا يقبِّلون أبناءهم: "إن كان الله قد نزع الرحمة من قلوبكم؟".

رسولنا -صلى الله عليه وسلم- كان يلاعبهم، ويهتم بهم حتى عند كِبَرِهم ومرحلة مراهقتهم الحساسة، يستوعب رغبتهم في المرح وترف الحياة، ويوجههم باللين والحسنى؛ إذ يقول لمعاذ بن جبل، الصحابي الشاب العظيم: "يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ"، فمن منكم نظر لوجه ابنه المراهق صباحاً، وقال: "يا ابني والله إني أحبك"، ومن منكم حفف بناته بالحب حتى لا يبحثن عنه خارج أسوار البيت؟

رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأتيه شاب يستأذن بالزنا فيحاوره باللين والعقل حتى يقنعه بالتراجع عن رغبته، ويدعو له بالحصن والطهر، (والحديث معروف)، وما زال بيننا من يدعي اقتداءه بالنبي، فإن أتاه عاصٍ أنَّبه وعاتبه ووبخه وكأنه أمِنَ على نفسه هو الفتنة؛ بل منا من يرسل للمذنبين صور رجال في النار جزماً بأن من عصى الله دخل النار، وما كان محمد -صلى الله عليه وسلم- منفِّراً.

رسولنا الكريم كان نبراس حب متوهجاً في بيته مع أهله، وكم هو مؤسف أن المسلمين لم يتخذوا للاقتداء غير "تعدد الزوجات"، بينما تلك المواقف التي تخللت علاقته بزوجاته كانت فريدة جداً من نوعها، سأذكر منها موقفاً واحداً لعائشة رضي الله عنها، حينما كان أهل الجاهلية يرون الحائض نجاسة، فتروي أُمنا: "كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع فِي (أي فمه على الموضع الذي شربت منه) فيشرب، وأتعرق العرق (بفتح العين وسكون الراء.. وقيل إنه العظم إذا علق فيه شيء من اللحم)، ثم أناوله النبي -صلى الله عليه وسلم- فيضع فاه على موضع في".

ومن حرصه -صلوات ربي عليه- على ألا نصنع مجتمعات حيوانية تطغى عليها الرغبة ويذوب فيها الحب، لم يترك موضوعاً يهم الأسرة إلا وتطرق له، حتى الحساسة جداً، فترك للمسلمين طهارة وحباً ونقاء في كل مناحي الحياة، بدلوها بالقسوة والجفاء.

وأنتم تقرأون سيرته النيرة، ستمرون حتماً على مواقفه -صلى الله عليه وسلم- مع غير المسلمين، الذين يتعايشون مع المجتمع المسلم ولا يؤذونه، فكان يتاجرهم ويرهن لديهم، يعودهم في مرضهم، ويبكي لما زهقت منه روح قبل أن تسلم، يعفو عن المسيئين في حقه ويعدلهم في ظل قانون الإسلام، ولا يكرههم على اعتزال دينهم واعتناق الإسلام.

ستمرون على مواقفه مع النساء، وكيف أنه احترمهن وشاورهن وأخذ بقولهن، بينما المغربي ما زال يقول "شاورها وما تعملش برأيها".

ستمرون على مواقف علاقته بالصحابة، وكيف كانت معاملته لهم حسنة جداً، وستجدون في سيرته الكثير من الحب والمودة والتماسك.

ستقرأون كيف أنه ضم الجذع، ولو لم يضمه لحنَّ إليه إلى يوم القيامة، كيف أنه رفق بالأعرابي الذي تبول في المسجد، كيف تعامل مع الرجل الذي شده من ثوبه حتى تألم عنقه، ستتعلمون منه الكثير من الأدب، ثم تلتفتون من حولكم وترون حجم القسوة المتفشية بين المسلمين، وكم أن أغلب المصلين هم بقلب أبي لهب وبإسلام مزيف، سترون كم أنهم ابتعدوا عن سنة النبي، ففهموا أن الدين تكفير وتشهير وتجريح، وهجوم على من ابتدع، سترون أن ألسنتهم لا تردد إلا "فهو في النار"، وكأن النار لهم، وستكرهون المسلمين لسلوكهم ثم تحبون الدين بتجلياته العظمى، ستميزون بين الدين والتدين، وتعلمون أن أمة محمد ما عملت أبداً بقوله: "قد تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بما عرفتم من سُنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عَضُّوا عليها بالنواجذ"، فألغت كل سنن الحب في سيرته، ولم تركز إلا على ما قاله علماء القرن العشرين، فلا هي اهتدت ولا هي ارتقت، ولا نصرت دينها، ولا أشاعت الحب بين الخلائق.

وأنت تقرأ سيرة النبي وأدبه وخُلقه الرفيع، سترى أنه من لم يبتغ غير الحب منهاجاً، فما ابتغى إسلام محمد صلى الله عليه وسلم ديناً.. إسلامنا دين الحب، دين اللطف، دين الرحمة، بين قساوة الإلحاد وتعنت الإسرائيلية وفراغ بقية الأديان، التدين ليس أن تملأ صحيفتك بالحسنات لتدخل الجنة، التدين أن تصلح في دنيا الله وتملأها عماراً، أن يرى الناس فيك خُلق دينك، فمن فاقك بالخلق، فاقك بالدين.

وصلى ربي وسلّم على من قال فيه:
"فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهم وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.