المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جمال زورار Headshot

الأكنوقراطية - Agnocracy

تم النشر: تم التحديث:

الشعب مجموعة من البشر، فوق العشيرة والقبيلة، تحت الأمة، خلط من الناس جمعتهم الجغرافيا ودفع بهم التاريخ إلى تكوين هالات آدمية متداخلة بقاسم مشترك وحيد أو متعدد، مشترك غير حاسم، عوامل ربط وأواصر لم تكن ولن تكون أبداً تلك الخرسانة السحرية التي تذوب في عمقها التباينات الطبقية والخلافات أو حتى الاختلافات، رغم ما قد يقوله البعض في مدح أي دور قد يلعبه الدين أو العِرق أو غيرهما من العوامل في توحيد الرؤى والنزوات والطموحات الفردانية هكذا بشكل سلس وبسيط دونما قوة أو سلطة ضاربة.

توطئة مفادها استحالة تمثل ذلك الشعب كموجود واحد أحد، وكأنه كائن مستقل بكنهه، متفرد بلبه، يحتار فيختار، يهان فينتفض، يثور ليحكم، والواقع أنه لا وجود لموجود كامل متكامل كهذا إلا في مهج الحالمين، أو بالأحرى في جناح المكبوتات ما بين أنا وهو المفكرَين والمتمردَين.

الشعب لا يحكم نفسه بنفسه، فلا نَفْس ولا نَفَس له، لكن له مؤسسات منه وإليه تقوم بمقدراته قيام القوامة، عبر نخب تتمايز بعلمها وتجربتها وجلدها لتخدم الفرد والمجتمع بنظام وانتظام، بناء على معطيات وصلاحيات وولوجيات غير متاحة في مجملها للشعب (العامة) ولا حتى للمترفين منه وما تنبغي لهما؛ نظراً لحساسية المسؤوليات ونوعية المهام والغايات.

تخصص وخصوصية مؤسساتية تفرض حتى في ما يخص حوارها الداخلي وتواصلها الخارجي قدراً كبيراً من التحفظ والجدية، وجانباً مهماً من المهنية والعملية الاستباقية.
كفاءة من المستحيل أن تتمتع بها الدهماء (الشعب) مهما استطلعت المعلومة عبر القنوات الرقمية أو السمعية البصرية، ومهما استسقت منابع الخبر الأخرى فهي في النهاية تستهلك خليطاً من المعطيات المغلوطة، المغرضة، المحبوكة والموجهة، وعليه فإن ما تستخلصه لتتصوره يكون في غالب الأحيان بعيداً عن الواقع والحقيقة، وما لا يُعرف يُجهل.

هو إذاً جهل موضوعاتي ينضاف إليه جهل ذاتي مرتبط بالتكوينين التعليمي والتربوي؛ ليشكل خلطة الجهل المركب، هذا الأخير إن وجد هامشاً استعراضياً يبسط فيه ترهاته، ينصب رجالاته ويستنبت ظروف استحسانه ولاءاته، أصبحت بذلك جحافل الجهل المركب مؤثرة وموجهة، كسيل جارف تقاس قوته بقياس مؤشرات التنمية البشرية التي تصدرها هيئة الأمم المتحدة، ومنها مؤشر التعليم الذي يبقى المعني في مقامنا ومقالنا هذا.

فكيف لنا أن نعتبر الشعب صمداً وهو متصدع الأصل، متعدد الشُّعَب والمطالب بطبعه؟! ما المفيد ومن المستفيد من تنصيبه راشداً ليختار أو ليحكم، التجارب عبر الزمن أثبتت فشل الشعوب مقابل نجاح السلطة ونظام الدولة، التجارب المعاصرة جعلت من الديمقراطية نموذجاً نظرياً طوباوياً لا أقل ولا أكثر، وكأن الواقع الدولي بحر طفت على سطحه ما اصطلح عليه بـ"الأكنوقراطية" Agnocratie، Agnocracy ، (أكنويا: - άγνοια الجهل؛ قراطية: κρατία - حكم) حيث الكلمة والغلبة للأغلبية الجاهلة، أغلبية خرقاء استقوت، شغباً هنا وجعجعة هناك، على أقلية نخبوية ضعف عودها ما بين عناء تدبير مطبات إنتلجنسيا المكر العابر للحدود وتأطير الغباء الداخلي المتناسل حتى لا يرفس بقوائمه الأربع ما روكم إلى يومنا هذا من استقرار وتنمية.

الانتقال الديمقراطي في حضرة الجهل الناطق المبادر مغامرة قد تسحب خائضها إلى الفوضى والضياع إلى حكم الجهل وتحكمه، إلى الأكنوقراطية Agnocratie.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.