المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جمال زورار Headshot

الخيار الإسلامجي وحلم الزعزعة

تم النشر: تم التحديث:

2016-07-18-1468860648-1350578-JZ1.png

سواءً كان ربيعاً أو خريفاً، سواءً كان عفوياً أو مدبراً، عرف الحراك المجتمعي العربي الأخير الذي انطلق من تونس صعوداً قوياً لتيار الإسلام السياسي المكون من تجمعات بشرية إسلامجية هلامية، علنية وسرية على شكل أحزاب، جمعيات صداقة وأخويات ذات أهداف مشتركة وتتطلع كلها إلى القيادة والحكم، رغم ما تبديه من زهد وتعفف، محاولة بكل جهدها تجسيد قيمها وتصوراتها على الأرض، من خلال أنشطتها المتنوعة، بشتَّى الوسائل والطرق، وفق ما هو متاح لها من إمكانات وقدرات وأتباع، هو نسق تدافعي طبيعي ونضال أيديولوجي لا يخرج كثيراً عن إطار ما لمسناه لدى المكون اليساري أو المكون الليبرالي، وحتى أخطاء الرهوط الثلاثة تتشابه كثيراً، وتحديداً فيما يخص المشاريع المجتمعية المنشودة وما يشوبها من نقائص ذات علاقة بالحريات الفردية والعامة، العدالة الاجتماعية، والديمقراطية بأركانها المتعددة، وإلى عهد ليس ببعيد كانت موازين القوى ما بين هذه التلاوين شبه مستقرة، شبه متوازنة، مع تباينات زمكانية طفيفة بحسب التقلبات السياسية الوطنية والدولية، فماذا وقع حتى تتوج الثورة شخوصاً أخرى غير شخوص عُبَّادها باليسار؟! كيف لنا أن نتحدث عن ثورات ولسان الحال يقول بصحوات إسلامجية!

لا شك أن وصول الإسلام السياسي لسدة الحكم عكس في جانب منه مدى النفوذ الواسع الذي تتمتع به الحركات الإسلامية في محيطها؛ نظراً لروحانية وعاطفية وقودها الفكري، لكن يجب ألا ننسى أو نتناسى حقيقة أن هذا المكون يشتغل وينمو من داخل مجتمع هو في الأصل ذو شخصية جَمْعية إسلامية على اختلاف المذاهب والأطياف، ما يزكي راديكالية الممارسة شكلاً وطموح العرش مضموناً، العجب العجاب في كل هذا هو اصطفاف بعض القوى الحداثية العجمية ووقوف بعض الدول الغربية التي تعتبر من أمهات الليبرالية إلى جانب هذا التيار الإسلاموي ذي الطعم الأرثوذكسي المحبوب لدى جانب كبير من الدهماء العربية، عجيب أن تترك الأم وأخواتها أبناءها الشرعيين لترضع أطفالاً بِلحى كثيفة، غريب أن تتوسط هذه الأم لتحل مشاكل وجودية لأطفال غير شرعيين على الأقل نسبة لها، أُمٌّ قوية وجدت في احترام الديمقراطية والتنوع وباقي الشعارات الرنانة ديدناً تدافع به عن أطفال لطالما تمنو موتها! ما الهدف من دعم كهذا وتوصيات خير بهذا المكون؟ تونس وعودة المغتربين الإسلامجيين، مصر وديمقراطية الإخوان، ليبيا وحكومة الإسلام السياسي، داعش والمحاربة المحتشمة له، واقع سياسي وجيوستراتيجي غريب يبعث على تساؤلات أكثر عمقاً:

هل يمكن القول بأسلمة الأنظمة العربية كرهاً؟ لكن في أفق ماذا، أن تلبس الدول جلباب الإرهاب الإسلامي قسراً؟! صناعة هرمجدون مثلاً؟!... أو من الممكن تلك الرغبة في التغيير الجذري لشكل المجتمع العربي وأنظمته الحالية، مستعملين مكوناً أيديولوجياً راديكالياً على خطورته وسميته، في غياب بديل قوي، بعد ما أثبت اليساري والليبرالي، على مدى عقود من الزمن، فشلهما في تغيير ولو النزر اليسير من واقع عربي يميل أكثر إلى الرجعية منه إلى التقدم والحداثة؟! ولا ضرر في المرور عبر حرب أهلية على أساس حرب الفريقين، الكفار والمسلمين، وعلى أساس ثنائية الخير والشر!

سأكتفي اليوم بالسيناريوهين السابقين وسأصطف إلى جانب الطرح الثاني عساه يكون الأكثر فهماً واستيعاباً لمفارقة، لا تراها العامة، مقبولة لدى بعض الخاصة، فانتظار أن يقنع مقالي هذا ما تبقى منها.

إي نعم، الخيار الإسلاموي ودعمه دعم لقوى تغيير جذرية، مهما أبدته من تعفف وتقية، مهما دفعت به من حجج، مهما أبدته من وطنية، مهما أبدته من سذاجة؛ لأن الرهان على وقعها وجُهدها Potentiel التغييري الذاتي هو رهان خارجي، رهان قد تُبَرِئ طرفيه (الداخلي والخارجي) التقارير الاستخباراتية المختلفة، لكنه لا ضمانة أبداً لتنسيقات مستقبلية ولا ثقة في صديقة ولا عتيقة، ولنا في التجربة المصرية الكثير من الوقائع والإشارات، والشكر موصول لمن وقف إلى جانب تونس، وحظاً طيباً لليبيا مستقبلاً.

تحجيم المكون الإسلاموي والإسلامجي بالمغرب خيار استراتيجي ملحّ اليوم قبل الغد، وكلما امتدح بعضهم، خلسة هناك، هذا المكون إلا وازددت وازددنا خوفاً على البلاد والعباد، فهم يحبونه ويسوقون واقعاً تنظيمياً قوياً لهيئاته، لكن، متجنبين الخوض في حصيلته السياسية مع مداراة لعيوبه الكثيرة حتى يعمر ويعيش طويلاً؛ ليقوى عوده فيصبح ذا فاعلية أكبر؛ ليستمر في استثمار المقدس المشترك ويلبس لباسه، ومن يدري فقد يدعي القداسة غداً، ولكم أن تتخيلوا مطالبه وسقفها اللامحدود ولكم أن تتصوروا خطواته بعد ذلك.

فلتهتم الأم البعيدة وأخواتها بأبنائها الشرعيين، خير لها من أن تلعب مع غيرهم من أعداء في مستنقعات الماء العكر، ولنشتغل على تقزيم خيار الزعزعة هذا من منابعه قبل أن يفوت الأوان، وعلى الذي يسوق أو يعتقد بضمانات في اللامضمون، أن يستفيق من غفوته.

ملحوظة: التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.