المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جمال زورار Headshot

الحداثة ليبرالية

تم النشر: تم التحديث:

ظهرت الليبرالية كمفهوم قائم الذات، وكمذهب من مذاهب الفلسفة السياسية في بدايات القرن السابع عشر، هذا ورغم المناخ السياسي المتقلب إذ ذاك، استطاعت هذه الأيديولوجيا الحديثة والمُحدثة (بضم الميم وكسر الدال) أن تتخذ من الحرية مبدأً رئيسياً في ما يخص الممارسة السياسية، مقروناً دونما انفصام أو انفصال، بواجبات التعايش السليم والمسؤولية الفردية للإنسان داخل منظومته المجتمعية.

ويعتبر ليبرالياً كل من يؤمن بكونية حقوق الإنسان، كل من له قناعة راسخة بشرعية ومشروعية الحقوق الأساسية لكل فرد، كل مَن يحترم حرية التعبير الجاد والمسؤول، كل مَن يدافع عن المبادرة الحرة للفرد، حرية المنافسة، اقتصاد السوق، وكل مَن يناضل من أجل تجسيد حقيقي لدولة الحق والقانون.

وحتى نتمثل ونحيط بتضاريس هذا الفكر المُحدِث (بضم الميم وكسر الدال) لا بد لنا من أن نسبر أغوار الذاكرة والتاريخ انطلاقاً من مبدأ العدالة والقانون الطبيعيين لأرسطو خلال القرن الرابع قبل الميلاد، فثورة التحرر والانعتاق اللوثرية من الغطرسة الدينية للكنيسة، مروراً عبر الفلسفة التوماوية أو المدرسة "التومائية" نسبة إلى الفيلسوف توما الأكويني Thomas D'AQUIN وصولاً إلى الفيلسوف جون لوك Jhon LOCKE عبر موجزه الأدبي "رسالة عن التسامح" المنشور سنة 1689، والتي تكمل في نظر مجموعة من الفلاسفة والباحثين مجمل الجذور العميقة واللبنات العريقة لليبرالية.

هو إذاً تبلور أيديولوجي عبر الزمن، العجيب في محطاته الكبرى موافقته إلى حد التطابق ذلك النسق التطوري للحداثة كظاهرة تجديد وعصرنة همت أغلب القطاعات الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، بدءاً باختراع غوتنبيرغ للطابعة المتحركة، فالثورة اللوثرية ضد سلطة الكنيسة، وبعدها الثورة الفرنسية عام 1789 أو الثورة الأميركية عام 1776، دون إغفال ذلك التحرر الأدبي والفني الذي عرفه ما يصطلح عليه بعصر الأنوار، ثم كخيار فكري تقدمي برز بشكل قوي في عصرنا الحالي حد تبنيه من طرف مثقفين وسياسيين.

وإذ تطرقت أولاً للبعد التاريخي الدال على انسجام وتماهي النشأة والتطور الكرونولوجي ما بين المدرسة الليبرالية والتيار الحداثي كحقيقة يأخذ بها كل متقص في نسبة وعلاقة الثاني بالأولى، يأتي البعد البشري كمستوى ثانٍ من المحاججة، وهنا أستحسن العودة في هذا المنوال إلى قسيس الكاثوليكية الإيطالي "توما الأكويني"، وهو من نخبة القرن الثاني عشر، أحد معلمي الكنيسة الثلاثة والثلاثين ومن الفلاسفة واللاهوتيين الكبار ذوي التأثير العميق في مذهب اللاهوت الطبيعي، أبو المدرسة التوماوية التي استفزت وحفزت بآرائها وفكرها الفلسفة الغربية؛ إذ إن كثيراً من أفكار الفلسفة الغربية الحديثة هي نتاج تفاعل مباشر أو ضمني مع مجموعة من التقعيدات التوماوية خصوصاً في مسائل الأخلاق والقانون الطبيعي ونظرية السياسة، وهنا يمكننا أن نذكر على سبيل المثال كل من ديكارت Descartes، ولوك Locke، ولايبنتز Leibniz وكانط Kant، الذين مع حفظ أسماء غيرهم، قاربوا مجموعة من القضايا الإنسانية في إطار تخطيط منظور معاصر وحداثي للفرد والمجتمع، وهنا لا يفوتني أن أذكر بموقع ديكارت داخل المنظومة الحداثية كما لن يفوتني التنبيه إلى تلكم المرتبة الرفيعة لجون لوك Jhon LOCKE داخل المنظومة الليبرالية.

يتضح إذاً ذلك الدور الجوهري للمدرسة التوماوية الذي لم يجعل من مؤسسها حجة من بين الحجج الكبرى فقط بل حتماً ذلك الشريان الحيوي والحبل السري الذي يربط بين المدرسة الليبرالية كأم شرعية والحركة الحداثية كابنة بارة لقيم الحرية والتحرر، هو إذاً واقع يكرسه ما سبق من استبيان للتداخل الجلي ما بين منظومتي الليبرالية والحداثة، سواء على المستوى التاريخي أو على المستوى البشري، والأقوم رأياً هو ادعاء "حداثة الليبرالية" والتسليم بـ"ليبرالية الحداثة" شكلاً ومضموناً؛ إذ إنه لا حداثة من دون حرية مُحدِث (بضم الميم وكسر الدال) ولا معنى لحرية لا تستطيع المبادرة بتجديد كينونتها وتحديث كنهها، فحرية المبادرة دليل على حرية الفكر وحداثة الفعل وفاعله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.