المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جمال نصّار Headshot

أحمد أبو الغيط والجامعة العربية

تم النشر: تم التحديث:

استكمالاً لحالة الضعف والاستكانة التي تعاني منها مصر في المرحلة الحالية، تمّ ترشيح أحمد أبو الغيط، آخر وزير خارجية لمبارك، لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية، وجرى انتخابه من الجامعة العربية، التي تعاني هي أيضًا ضعفًا وجمودًا غير مسبوق في حل القضايا العربية. وهذا يستدعي النظر في الفترة التي شغل الرجل خلالها منصب وزير الخارجية في مصر، وهي بالذات الفترة التي ما زالت مصر تدفع ثمنها حتى اليوم.

فقد كانت فترة فقيرة، اتّسمت بالارتجال والعجز أمام الأزمات الصغيرة والكبيرة، وبإهمال القضايا الاستراتيجية في الدبلوماسية. وهذا يبعث على السؤال عن مغزى اختياره لتولي الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، بعد أن تمّ إبعاده من وزارة الخارجية المصرية في مارس/آذار 2011 بعد قيام ثورة a25 يناير.

أقول: إن اختيار هذه الشخصية المعروفة بمواقفها المدافعة عن الاحتلال الإسرائيلي، وعدم الاكتراث في توجيه البوصلة للدفاع عن القضية الفلسطينية، حيث لا توجد لديه المؤهلات الكافية لقيادة العمل في الجامعة، على الرغم من السنوات التي قضاها سفيرًا لمصر في عدد من دول العالم، ما يقرب من 47 عامًا في الدبلوماسية المصرية. فقد توعّد الفلسطينيين أثناء الحرب على غزة في العام 2008، وقال إن من يجتاز الحدود مع مصر ستُكسر قدمه، وكان بصحبته في مؤتمر صحفي وزيرة خارجية الكيان الصهيونى "تسيبي ليفني" التي أعلنت الحرب على غزة، وطارت من القاهرة لباريس لتعلن أن بلادها لا تخوض حربًا ضد حماس لحماية نفسها بمفردها، ولكنها تخوض حربًا ضد حماس وحلفائها في المنطقة لصالح (إسرائيل) والأنظمة الغربية.

هذا إذا ما قارناه بأول أمين عام لجامعة الدول العربية "عبد الرحمن باشا عزام"، الذي أشرف بنفسه على إرسال متطوعين من البلاد العربية لفلسطين في الأربعينيات للتصدى للعصابات الصهيونية.

أبو الغيط الذي تجاوز الـ77 عامًا لا يمكنه أن يكون الأمين العام للجامعة العربية المناسب لهذه المرحلة الحرجة التي تمر فيها الأمة العربية والإسلامية بمنعطفات كثيرة، وربما تشهد الجامعة الكثير من الأزمات في عهده، فبالرغم من قضائه أربعة عقود في ردهات الدبلوماسية المصرية، إلا أنه لم يُعرف له فكر سياسي يلفت النظر على غرار أسماء أخرى في التاريخ الحديث للدبلوماسية المصرية، أمثال مراد غالب، ومحمود رياض، وعمرو موسى.

ورغم أن مساره يوحي بأنه نموذج للدبلوماسي الكلاسيكي الميّال لتوخي الحيطة والحذر وانتقاء الكلمات بعناية زائدة، إلا أنه بدا في الآونة الأخيرة يُطلق تصريحات غير مسؤولة، تبتعد عن اللغة الدبلوماسية المغلّفة. مثل تصريحه الذي يشيد فيه بإنجازات الجنرال عبد الفتاح السيسي، غير المنطقية، التي قال فيها إنّه منقذ مصر! وهذا ينافي أن الذي يتولى هذا المنصب يجب أن يكون صاحب فكر، وشخصية مستقلّة، ومتوازنة، وله حضوره في الأوساط الإقليمية والدولية، وقدرات خاصة في ضبط إيقاع العمل العربي الشائك بحيادية وقوة في ظل المتغيّرات الدولية والإقليمية التي تشهدها دول المنطقة.

والجامعة العربية الآن تعاني من تراجع بشكل كبير، خصوصًا في ظلّ عدم قدرتها على حل القضايا العربية التي هي من صُلب اهتمامها، فلا توجد لدى الجامعة مشاريع تنموية، ولا سياسة دفاع عربي مشترك، ولا مواقف موحَّدة في ظل التهديدات التي تطلقها قوى إقليمية ودولية ضد كيانها، إضافة إلى ما يتعرض له الجسم العربي من تمزيق وتقسيم على غرار العراق وسوريا، إلى جانب انتشار الإرهاب والتدخلات الخارجية.

والكيان الداخلي للجامعة في حالة انهيار تام، ولا يستطيع أبو الغيط بإمكاناته المتواضعة ترميم هذا الجسم الذي يحتاج إلى خبير في الشؤون السياسية والدبلوماسية، لانتشال هذه المؤسسة مما هي فيه، وإعادة الثقة بها وبقدراتها على الحركة والتعبير عن القضايا العربية، والدفاع عن مصالح اﻷمة بمواجهة الاستهدافات الخارجية.

النتيجة إذن أن اختيار أبو الغيط لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية غير مُوَفق لطبيعة المرحلة. ولكن بالنظر إلى الحالة التي وصلت إليها الجامعة من خلافات داخلية في حل القضايا المصيرية، وجمود يصل إلى حد الموت، يبدو أن أبو الغيط جاء لدفن جثتها، وإنهاء ما تبقى لها من دور!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.