المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جمال نصّار Headshot

القضاء المصري إلى أين؟

تم النشر: تم التحديث:

تقول المذكرة الإيضاحية لقانون استقلال القضاء 66 لسنة 1943 "خير ضمانات القاضي هي تلك التي يستمدها من قرارة نفسه، وخير حصن يلجأ إليه هو ضميره ... هذه الحصانة الذاتية، هي أساس استقلال القضاء، لا تخلقها النصوص ولا تقررها القوانين، وإنما تقرر القوانين الضمانات التي تؤكد هذا الحق وتعززه، وتسد كل ثغرة ينفذ منها السوء إلى استقلال القضاء".

وإذا نظرنا إلى بنية القضاء الحقيقية، نجد أن مبدأ استقلال القضاء يكمن في انحصار الوظيفة القضائية بالقضاء فقط، وعدم تدخل السلطتين التنفيذية والتشريعية في أموره. ويمتد هذا المبدأ ليشمل استقلال كل قاضٍ على حدة، بما يضمن تمتعه بحرية إصدار أحكامه بموجب القانون بعيدًا عن أي تدخل أو تأثير خارجي بالترغيب أو الترهيب.

وتسعى الدساتير الحديثة، التي تنشد ضمان العدالة وحماية حرية المواطن، إلى تأكيد استقلال السلطة القضائية، وذلك لأهميته العملية في ضمان عدة أمور، من بينها: تحقيق العدالة، وسيادة القانون، وحماية الحقوق والحريات السياسية.

ويقوم مبدأ استقلال القضاء على مجموعة من الركائز تمثل حدًّا أدنى لضمان هذا الاستقلال، لعل من أهمها: مبدأ الفصل بين السلطات، ومبدأ الاستقلال الإداري والمالي، ومبدأ عدم قابلية القضاة للعزل: بمعنى عدم ترك الفصل في عزل القاضي من عدمه بيد السلطة التنفيذية.

ولعلنا نلاحظ في الآونة الأخيرة أن القضاء المصري للأسف - أو على الأقل من يتصدرون المشهد في المحاكمات التى يجوز أن نسميها سياسية الآن - ناله ما نال كل مؤسسات الدولة من التخريب والتسييس، فبدلاً من أن يلجأ المواطن إلى قاضيه الطبيعي لحمايته من الاعتداء عليه وعلى حريته، نجد أن مجمل القضاة في تلك المحاكمات السياسية الآن، أو بمعنى آخر القضاة المختارين، يتعاملون مع المتهمين كخصوم ألدّاء، ويتم تلفيق التهم لهم جزافًا، والاعتماد على تقارير وتحريات ما يسمى بالأمن الوطني وحدها، بدلاً من الاعتماد على أدلة وقرائن وشهادة شهود، ومن بعدها ضمير القاضي، وسلطته التقديرية العادلة. ومن ثمّ نجد أن الحصيلة النهائية للقضاء المسمى بالشامخ، أصبح مبتسرًا مشوهًا يسير في ركب الحاكم وبطانته، ويؤيده في كل سياساته، وهذا خلل كبير في بنية التقاضي.

وأصبح ذلك القضاء فى مصر من أخطر وأهم آليات الثورة المضادة، فقد وقف منذ الوهلة الأولى مع الثورة المضادة والدولة العميقة، وكان أداة تنكيل بخصوم هذا النظام المنقلب على الديمقراطية، كما أنه شرعن للباطل ووقف يحميه ويصد عنه، وذلك مقابل عرض زائل، حيث كان المقابل زيادة فى المرتبات وتعيين الفاشلين من أبناء أعضاء الهيئات القضائية فى القضاء، فضلا عن إلقاء لقيمات لهم من المال الحرام الذين فضلوه على العزة والكرامة، فأصبحوا عبيدًا للعبيد.

ومن العجيب أن جُلّ ما يصدر ضد نظام حسني مبارك ورجاله من أحكام، يتسم بالشفقة والرحمة لأناس اشتُهروا بالفساد والتضليل والتخريب لكل مؤسسات الدولة، وفي المقابل نجد الأحكام القاسية التي لم تحدث في تاريخ مصر من قبل، تبدأ بالسجن غير المبرر، وأحكام تصل للإعدام للمئات، ناهيكم عن فرض كفالات خيالية تصل لمائة ألف جنيهًا مصريًا، والأصل أن كل من يخالف سياسة النظام القائم الآن، فهو مُدان ومُتهم، وتصدر ضده الأحكام المشددة.

إن بنية الجهاز القضائي في مصر تحتاج إلى إعادة بناء مرة أخرى على أسس دستورية وقانونية جديدة، لكي تطبق معايير العدالة الانتقالية على كل من أجرم في حق الشعب المصري بكل فئاته، وبدون ذلك ستبقى هذه المؤسسة عارية من مبدأ العدالة، وسيكون مصيرها إلى مقبرة التاريخ التي لا ترحم أحدًا.
إن إقامة دولة العدل تجعل من الضروري والواجب وبشدة البحث عن علاج عاجل وناجع يعيد بهاء وقوة هذه المنظومة، وأن تكون الأولوية في العمل لإصلاح القضاء هو إيجاد سلطة قضائية تتمتع بالاستقلال التام، من ناحية، وبالكفاءة المهنية، من ناحية أخرى.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.