المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جمال نصّار Headshot

النهضة وضرورة التمييز بين الدعوي والسياسي!

تم النشر: تم التحديث:

أقدمت حركة النهضة التونسية على تغيير مهم في مسارها بالتمييز بين الدعوي والحزبي، أو بين الدعوة والسياسة، وهذا اجتهاد مهم وخطوة موفقة، في وقت تحتاج فيه الحركات الإسلامية كلها لمثل هذا الاجتهاد حتى لا يحدث خلط وتضيع الأمور، ويختلط الحابل بالنابل، كما يقولون.

ففي كلمته التي ألقاها رئيس حركة النهضة "راشد الغنوشي" يوم الجمعة الماضي (20-5-2016)، أكّد مضي الحركة قدماً في الفصل بين العمل السياسي والحزبي بقوله: "إن التخصص الوظيفي بين السياسي وبقية المجالات المجتمعية ليس قراراً مسقطاً أو رضوخاً لإكراهات ظرفية بل تتويج لمسار تاريخي تمايز فيه السياسي عن الدعوي في حركتنا بحكم التطور وتماهياً مع ما جاء به الدستور التونسي"، وأظن أن هذه خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح.

والذي أقصده هنا بالتمييز بين الدعوي والسياسي: هو التمييز العملي التخصصي، وليس على أساس علمي أو عقائدي أو فكري، فليس لمؤمن أن يعتقد أن السياسة ليس لها علاقة بالدين لكن الذي أقوله: إن السياسي مهما ابتعد عن المجال الدعوي يجب أن يعتقد أن السياسة من الدين ويجب على الداعية أيضاً أن يوجه الناس في الأمور ذات الشأن العام، والذي أعنيه بالتخصص أن يكون هناك مَن تفرغ لآليات السياسة مثل: الانتخابات، وقيادة الحزب، والدخول في الصراع السياسي.

الأمر الآخر الذي يجب أن أنبه إليه هو أن مرجعية المسلمين واحدة سواء كان دعوياً أو سياسياً فالمرجعية هي الشريعة وهي القرآن والسنة، لكن كل فريق قد يجد بغيته أكثر في قرائن أو أدلة يحتاجها في عمله وتخصصه.

فالعمل السياسي يتجه بالأساس إلى فروض الكفاية، والعمل الدعوي يركز على فرض العين وفرض العين يلزم الجميع، لكن الدعوي يشرحها ويركز عليها ويربي الناس عليها، والسياسي يضع الحلول لإقامة فروض الكفايات، لكن في النهاية لابد للجميع من مرجعية واحدة هي مرجعية الإسلام.

فالدعوة دين والسياسة دين، لكن الداعية لا يعرف إشكاليات السياسة، ولا السياسي يعرف إشكاليات الدعوة، وكل له عالمه الذي يعيش فيه.

والضرورة تقتضي بالطبع التمييز بين وظائف الحركة الإسلامية الأساسية وهي: (الدعوة - والتربية - والبر... إلخ) وبين الأعمال التخصصية مثل: ( المسائل الاقتصادية - والعمل السياسي - والمناكفات الحزبية... إلخ).

قضية أخرى ينبغي التأكيد عليها هي أن التمييز ينصبّ على ما هو دعوي بالأساس وبين ما هو حزبي تنافسي، بمعنى أن الداعية والعالم الشرعي لا يحجر عليهما الخوض في الشأن السياسي أو إبداء رأيهما؛ لأن هذا هو حق لكل أحد، لكن العمل الحزبي هو شأن تدبيري يدخل في التفاصيل والآليات بشكل مباشر، كما هو أيضاً عمل تنافسي، لكن قبل ذلك ينبغي العمل على ترسيخ الفصل بين الرموز الدعوية والرموز الحزبية.

وهذا لا يعني بطبيعة الحال التعارض مع شمولية الإسلام التي تشمل كل مناحي الحياة؛ لأن الممارسة السياسية مهلكة كبيرة للرموز والشخصيات العامة، وهي لا تفرِّق بين صغير وكبير، وإن من مصلحة الأمة دائماً صون رموزها ومرجعياتها عن الاقتراب من تلك المهلكة.

وليس فيما أدعو إليه أي توجه إلى فصل الدين عن الدولة، أو تجريد العمل السياسي من الضوابط الشرعية والأخلاقية؛ فعلى من يمارس السياسة أن يمارسها بغية تحقيق مصالح العباد والبلاد، وفي إطار الأحكام والآداب الإسلامية، كما أن على الدعاة والمثقفين أن يمتلكوا من الوعي السياسي، ما يجعلهم يساعدون في ترشيد الممارسة السياسية.

وربما يذهب البعض إلى أن مسيرة الحزب قد تنحرف عن المشروع الإسلامي، أقول هناك محددان مهمان يضبطان ذلك:
أولاً: الخلفية الإسلامية التي يتمتع بها كوادر الحزب وأعضاؤه، تساهم إلى حد كبير في ضبط حركتهم ومسيرتهم.
ثانياً: الدعم الجماهيري الذي توفره الحركة أو الجماعة للحزب، ففي حال انحرافه، فسيكون العقاب من قبل الحركة بالتخلي عن دعم الحزب والانفضاض عنه، وهو الأمر الذي لا يتحمله أي حزب أن يفقد قاعدته الجماهيرية.
لذا أنصح كل الحركات الإسلامية، وفي القلب منها جماعة الإخوان المسلمين في مصر، بالأخذ بهذا الاجتهاد الذي أقدمت عليه حركة النهضة التونسية؛ لأنها ضرورة دعوية، وفريضة وقتية؛ لأن جوهر فهم الدين هو خدمة الناس وإسعادهم، وعدم الانعزال عن المجتمع، والوقوف عند التنظيم فقط، فالتنظيمات ليست هدفاً في حد ذاتها، لكنها وسيلة لخدمة الناس.
.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.