المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جمال نصّار Headshot

ريجيني والشعب المصري

تم النشر: تم التحديث:

عُثر على جثة الطالب الإيطالي جيوليو ريجيني في فبراير/شباط الماضي، مقتولاً في حفرة بأحد طرق مدينة السادس من أكتوبر وعلى جسده آثار تعذيب، بعد أن اختفى يوم 25 يناير/ كانون التاني من وسط القاهرة، عندما كان ذاهبًا للقاء أحد أصدقائه. ريجيني يبلغ من العمر (28 عامًا)، وهو طالب دكتوراه في جامعة كامبردج البريطانية، وكان يُعدّ بحثًا حول الحركات العمالية في مصر، وكان ينشر مقالات عن مصر تتعلق بالمظام التي يعاني منها العمال في صحيفة "المنافيستو".

ومع استنكاري لهذا الحدث الإجرامي، ودون الدخول في تفاصيل مقتل الشاب الإيطالي ريجيني، واستهتار السيسي وأجهزته الأمنية في التعامل مع القضية، وقتل 5 من الشباب المصري بدم بارد بحجة أنهم من قاموا بتعذيبه وقتله، وكذبه المستمر بأن مصر تأسف على المستويين الرسمي والشعبي لمقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، منوهًا باعتزام مصر مواصلة تعاونها الكامل، وبشفافية تامة مع الجانب الإيطالي للوقوف على ملابسات الحادث وتقديم الجناة للعدالة! وهذا لم يحدث بالطبع، وكانت نتيجته سحب السفير الإيطالي، وطرد الوفد الأمني المصري.

أقول: لفت نظري تحرك إيطاليا والاتحاد الأوروبي تجاه هذه القضية التي تنضاف إلى منظومة الإجرام التي يمارسها نظام السيسي المستبد، ومحاولة استهلاك الوقت بالكذب والخداع، لإيهام الرأي العام بأنه يسير في الطريق الصحيح. وكأنه لا قيمة للإنسان المصري على الإطلاق، فالإهانة والسب والقتل والسحل والاعتقال والاختفاء القسري، حلال على المصريين حرام على غيرهم، لدرجة أن الأجهزة الأمنية تقول في بعض التفسيرات، إنهم ظنوا أن هذا الطالب مصري، وأُمّ ريجيني قالت أيضًا أنتم فاكرين أنه مصري! إلى هذا الحد وصلت الاستهانة بالنفس البشرية، وكأن الجنس المصري من طينة الخبال، والجنس الأوروبي من طينة أخرى.

ألم يلفت نظر الاتحاد الأوروبي، ومنظمات حقوق الإنسان، ويحرّك فيهم مشاعر الإنسانية، ما قام به الجنرال السيسي من انقلاب على المسار الديمقراطي، وإلغاء 5 استحقاقات انتخابية قام بها الشعب المصري بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، ألم يشاهدوا ما حدث من مذابح دموية بحق رافضي الانقلاب، منذ الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013، حيث لم يتورع السيسي عن تنفيذ أبشع المجازر وقتل آلاف الأبرياء، وسقوط آلاف الجرحى والمصابين، في الحرس الجمهوري، والمنصّة، ومذبحة القائد إبراهيم، ومجزرة فض اعتصامي رابعة والنهضة، وقتل 38 من المعتقلين، داخل سيارة الترحيلات التي كانت تقلهم إلى سجن أبو زعبل، وزعمت الشرطة أنهم حاولوا الهرب، وأنهم ماتوا نتيجة الاختناق بقنابل غاز أُلقيت عليهم داخل السيارة المغلقة، إلا أن جميع جثث المعتقلين عندما وصلت مشرحة زينهم كانت عليها آثار تعذيب.

وكذلك استخدام الرصاص الحي في المطرية، والألف مسكن، والسادس من أكتوبر، مما أدى إلى قتل العشرات، ناهيكم عن جرائم السيسي بحق أهالي سيناء، من قتل وتهجير، وانتهاك أعراض المصريات في سجون الانقلاب، والقتل المباشر للعشرات في البيوت بدم بارد، بحجج واهية، وتُهم ملفّقة، والاختفاء القسري للمئات، ثم تلفيق التهم لهم دون وجه حق، وصارت السجون تعج بآلاف المعتقلين الذي صدعوا بالحق في وجه سلطان جائر. وفي المقابل منح السيسي الجيش والشرطة الضوء الأخضر لقتل المتظاهرين حيث أكد في تسريب له أن الضابط الذي يقتل متظاهرًا لن يحاكم.

كل هذه الجرائم وغيرها الكثير، لم تحرك ساكنًا في المجتمع الدولي والاتحاد الأوروبي، أو حتى المجتمع العربي والإسلامي، الذي يسير، للآسف، بمعايير مختلّة، ليس لها علاقة بحقوق الإنسان، أو حتى الحيوان!

أقول لن يفيد الشعب المصري تعاطف هنا أو تحرك باهت هناك، بل الذي يرفع قدره ويُعلي من شأنه، هو تحرك الشعب المصري بكل فئاته وتنوعه ضد ظلم وتجبّر السيسي ومن معه، لنيل حريته واسترجاع كرامته، وكما قال الشاعر:
ما حكّ جلدك مثل ظفرك ... فتـول أنت جميع أمرك
وإذا قصدت لحـاجــة ... فاقصد لمعترف بفضلك

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.